خطاب نائب الأمين العام للوفاق
الشيخ حسين الديهي – 13 فبراير 2026
إن البحرين اليوم بحاجة إلى مراجعة شاملة تعيد ترتيب الأولويات، وتضع الإنسان أولاً، وتفتح المجال أمام رقابة شعبية حقيقية على المال العام، وتوقف النزيف المستمر الذي يدفع ثمنه المواطن اليوم، وسيدفعه أبناؤه غداً أيضا.
نقولها اليوم بوضوح ومسؤولية: لا يمكن إدارة دولة في القرن الحادي والعشرين بعقلية الإقصاء. ولا يمكن تحقيق استقرار دائم دون شراكة سياسية حقيقية. ولا يمكن بناء ثقة عامة في ظل استمرار الاعتقالات السياسية وتقييد الحريات.
السلطة تتحمل المسؤولية الأولى عن انسداد الأفق السياسي وهي وحدها القادرة، إن أرادت، على فتح باب المعالجة الجدية. فالإصلاح ليس ضعفا بل هو تعبير عن ثقة الدولة بنفسها. أما الإصرار على الجمود، فهو استنزاف بطيء لمستقبل البلاد.
لقد أثبتت السنوات أن المعالجة الأمنية لا يمكن لها أن تنتج حلا سياسيا. نعم يمكن قد تؤجل الأزمة، لكنها لا يمكن أن تنهيها.
نعم المعالجة الأمنية ممكن أن تفرض صمتا وخوفا ورعبا، لكن لا يمكن لها أن تبني رضا أو قناعة.
في هذا السياق، نؤكد استعدادنا لأي مسار وطني جاد يقوم على إرادة إصلاح حقيقية، مسار يعالج جذور الأزمة الدستورية والسياسية لا مظاهرها، ويؤسس لتوازن عادل في العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويعيد بناء الثقة على أسس واضحة من المشاركة والمساءلة.
أما المبادرات الشكلية أو المعالجات الجزئية التي تلتف على أصل المشكلة، فلن تؤدي إلا إلى إطالة أمد الجمود وتعميق الفجوة القائمة.
في العام السادس عشر، نوجه رسالة واضحة للسلطة: بأنه ما زال باب الحل مفتوحا إن توفرت الإرادة.
وما زال بالإمكان تحويل هذا المسار من حالة جمود إلى بداية جديدة، تعيد الثقة، وتؤسس لشراكة وطنية حقيقية، تحفظ كرامة الجميع.
أما نحن، فسنواصل مشروعنا السلمي بثبات، متمسكين بحقوق شعبنا، منفتحين على كل حل عادل، رافضين لأي مساومة على المبادئ الأساسية التي خرج من أجلها هذا الشعب الكريم.
إن الأزمة في البحرين وبعد خمسة عشرا عاما لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت أزمة مالية واقتصادية عميقة تمس حاضر الناس ومستقبل أبنائهم.
الأرقام لم تعد قابلة للتجميل أو التبرير، بل أصبحت ناقوس خطر يدق بقوة.
الدين العام في موازنة عام 2026 بلغ نحو ستين مليار دولار، وهو في طريقه لتجاوز 150 في المئة من حجم الناتج المحلي الإجمالي. هذا رقم غير مسبوق في تاريخ البحرين الحديث، ويضع الدولة ضمن أعلى الدول مديونية في العالم.
وللمقارنة فقط، قبل عام 2011 لم يتجاوز الدين العام ملياراً ونصف المليار دينار. أي أننا أمام قفزة هائلة خلال خمسة عشر عاماً، دفعت البلاد إلى موقع بالغ الخطورة في التصنيفات المالية الدولية.
اليوم تُصنف البحرين بين أكثر دولتين عربيتين مديونية، بعد السودان، وهي السابعة عالمياً من حيث نسبة الدين إلى الناتج المحلي.
العجز المالي السنوي، فقد تجاوز ملياراً ونصف المليار دولار، وهو عجز مرشح للزيادة في ظل غياب إصلاح سياسي واقتصادي حقيقي. وكل دين جديد يعني فوائد أعلى، وضغوطاً أكبر، وإجراءات تمس معيشة المواطن.
وفي المقابل، نجد أن حجم الإنفاق العسكري يتجاوز سنوياً ملياراً وستمائة مليون دولار، إضافة إلى إنفاق أمني غير معلن لا يعرف الرأي العام حجمه الحقيقي، ما يجعل كلفة المقاربة الأمنية تتجاوز نصف الموازنة على حساب قطاعات التعليم والصحة والإسكان والخدمات.
إن أي دولة توازن بين الأمن والتنمية، لكن عندما يطغى الإنفاق الأمني على حساب الاستثمار في الإنسان، فإن النتيجة تكون إضعاف المجتمع لا تقويته.
الأزمة هنا ليست مجرد أرقام في جداول، بل هي نتيجة مباشرة لغياب الشراكة السياسية والرقابة البرلمانية الحقيقية.
عندما يُغيّب القرار الشعبي عن رسم السياسات المالية، تتحول الموازنات إلى مسارات مغلقة لا تخضع للمحاسبة الكافية.





