بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمٰنِ ٱلرَّحِيمِ
(وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) الشعراء ٢٢٧

إنَّ كلمة الحقِّ في البحرين اليوم مكبَّلة بالأصفاد، إذْ يرزح خلف القضبان واحد وأربعون عَلَما مِنْ أجلِّ علمائها الأوفياء لأمانة الرِّسالة، الذين أفنوا أعمارهم في إرواء الرُّوح المؤمنة بمعين المعرفة والهداية.

وما هذا الاعتقال في جوهره إلَّا شهادةٌ فاضحةٌ على إفلاس السُّلطة وعجزها عَنْ مقارعة الحجَّة بمثلها ومجادلة الكلمة بندِّها فما وجدت أمام صرح العقل والإيمان إلَّا أنْ تلجأ إلى القيد والزنزانة حين أُسقط منَّطق الحقِّ سلاحها مِنْ يدها.

غير أنَّ هذا الاعتقال الظَّالم — بالغًا ما بلغ مِنْ القسوة — لنْ يُفضي إلَّا إلى تعميق اليقظة الإسلاميَّة في صدور أبناء هذا المجتمع الواعي وإلى تأجيج الإدراك بمكانة الإسلام وعُلوِّ شأنه، وكشف ما يعتمل في نُفوس خصومِه مِنْ هلعٍ ووجلٍ أمام سطوة الحقِّ.

وفي سِجِلِّ الأمَّة الإسلاميَّة الممتد عِبَرٌ راسخة لا يمحوها الزَّمن تقول بلسان حالها: إنَّ العلماء حين تُسجن أجسادهم تتضاعف دوائر أثرهم وتتَّسع، وحين تُكبَّل أيديهم تتحرَّر القلوب مِنْ وطأة الخوف وتنضج الإرادات على جمر الابتلاء ولهيبه.

ولنْ يُجدي النِّظام ما يحشده مِنْ آلة القمع وأدوات التَّرهيب فالأمَّة التي صاغها الإسلام وسوَّاها صُنعت على عينِ الله وتشرَّبت مِنْ درس كربلاء الخالد يقينًا لا يتزعزع: بأنَّ الحقَّ لا يموت بتغيِّيب حَمَلتِه وإسكات أصواتهم وأنَّ يدِّ الظُّالم مهما امتدَّت على الأجساد فلن تبلغ الضَّمائر ولنْ تنالُ مِن الإرادات.

إنَّ ما يتكشَّف مِنْ ضغينةٍ متجذِّرةٍ وغيظٍ مكتوم وشررٌ مُتَّقد في عيون القائمين على السُّلطة تجاه علماء الدِّين الذابِّين عَنْ حريم الإسلام ومذهب أهل البيت عليِّهم السَّلام — على فداحتِه وعِظَم خطره — هُو في حقيقتِه انعكاسٌ فاضحٌ لما هُو أعمق وأشدُّ استعارًا في أعماقهم: عداء أصيل للإسلام وتعاليمِه الطَّاهرة، ونقمِةٌ دفينةٌ على موقفِه المبدئيِّ الثَّابت في ركاب العدل، ومواجهتِه الدَّائمة للجور والمستبدِّين.

وإنَّ هؤلاء العلماء الأجلَّاء ليعلمون علم اليقين أنَّ سِجنهم سيكونُ منبرًا يرتفع صوتَه ويصل أثره إلى حيث لم يبلغه بيانٌ محبَّر ولا خطبةٌ مُسطَّرة؛ فكم صنعت زنازين الظُّلم مِنْ رجالاتِ الفكرِ والإصلاح ما عجزت عَنْ صُنعِه منابر الحريِّة.

وإنَّ النِّظام السِّياسي في البحرين، بما يتكدَّس مِنْ أخطائِه المُتراكمة وحماقاتِه المُتتالية، لَيسير بخطى متسارِعة نَحو مصيره الأسود الذي ينسُجه بيدِه لنفسِه.

علماء البحرين
٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ
٢٥ مايو ٢٠٢٦م