أصدرت حكومة البحرين بياناً باسم النيابة العامة حول اعتقال أبرز علماء الشيعة الذين اعتقلتهم السلطات بطريقة مهينة ومستفزة قبل أيام، والذين ينتمون لمدارس وتوجهات دينية متنوعة ومختلفة وهم من مختلف محافظات ومناطق البحرين.

وخرجت النيابة العامة عن مهمتها بشكل كامل وتحولت إلى جهة أمنية مسيسة تكيل الاتهامات الباطلة والمتناقضة بهدف تشويش الرأي العام، ويشكل البيان فضيحة طائفية كبيرة جداً، تعكس طبيعة هذه المؤسسة وما خلفها من مؤسسات، وعلى رأسها الحكومة، حيث يقدمون أكبر جريمة في حق مكوّن ووجود أصيل في هذا البلد من استهداف طائفي بغيض ومليء بالانتقام والأحقاد دون أدنى رادع وطني أو أخلاقي أو ديني.

وبدا بيان النيابة العامة على مستوى من التناقض والتضاد مع كلام وزير الداخلية البحريني الذي وجّه اتهامات لعلماء الشيعة بعد ساعات من اعتقالهم دون تحقيق، وأصدرت النيابة العامة بياناً سابقاً يتناقض بشكل واضح مع بيانها الأخير.

ومن أجل الوقوف على الحقائق بشكل مهني وموضوعي يرتكز على الدقة في الفهم والتشخيص نشير إلى بعض الحقائق بشكل مجرّد ومباشر:

أولاً: المحققون والأمنيون وموظفو النيابة العامة وأجهزة التحقيق والمسئولين عن صناعة هذه التهم ينتمون لمذهب آخر مختلف، وليس لديهم اطلاع على المذهب الجعفري، وهم ليسوا من أهل الاختصاص في موضوع الفرائض الشرعية لدى الشيعة، وما يقومون به من دور أمني وبعقلية اتهامية في محاكمة فريضة شرعية هو أمر فاقد لأبسط مقوّمات العدالة والعقلانية والحكمة، ومحاولات الحكومة تحويل فريضة شرعية إلى جريمة جنائية والتعاطي معها بزاوية أمنية جنائية لا يمكن أن يصل إلى نتائج عادلة أو قانونية أو سليمة قضائياً، وسعي السلطة لاعتبار الحقوق الشرعية قضية غسيل أموال؛ أمر سخيف ولا يستقيم مع الدين والمنطق السويّ.

ثانياً: إنّ محاولة النيابة العامة تحويل فريضة الحقوق الشرعية إلى تهمة تحويل أموال لدول خارجية هي العراق وإيران ولبنان فيه نوع من الستغفال والاستغباء، فنحن نعلن ونؤكد بكل وضوح -وهو ما يعرفه القاصي والداني- بأنّ العلماء المعتقلين هم وكلاء شرعيون لفقهاء الشيعة في كل العالم وبالخصوص في البحرين والعراق وإيران ولبنان، وهذا أمر واضح ومعلن بشكل مفصل ودقيق، وأنّ نقل الحق الشرعي من المكلّف إلى المرجع هي عملية وساطة عبر الوكيل، وهذه الحقوق تصل الى المرجع الفقيه وليس إلى حكومات ولا أحزاب ولا أفراد ولا جهات ولا مؤسسات في تلك الدول، فالحقوق الشرعية التي تحوّل للعراق تصل إلى المراجع المعروفين، وعلى رأسهم آية الله العظمى السيد علي السيستاني، ومكتب آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم، وعدد آخر من الفقهاء، وكذلك في لبنان إلى مكتب آية الله السيد محمد حسين فضل الله، وكذلك إلى إيران للمراجع هناك ومن أبرزهم آية الله العظمى السيد الخامنئي، وآية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، وآية الله الشيخ حسين وحيد الخراساني، وعدد آخر من الفقهاء، ومحاولة بيان النيابة العامة التشويش عبر تأطير بيانها من خلال معلومات حول تحويلات إلى دول أو أحزاب أو حكومات أو جماعات هو كلام مضلل وغير أخلاقي.

ثالثاً: واضح من خلال القضايا والتهم التي أطلقت منذ اليوم الأول لاعتقال العلماء أنّ كلّ الأدلة الاتهامية ساقطة، وهي أدلة براءة تثبت أنّ العملية لا تتعدى كونها انتقام، وأنّ هؤلاء العلماء أسرى حرب رغم عدم علاقتهم بهذه الحرب، وقد جاء الانتقام من حيث الشكل والمضمون ليؤكد ذلك، كما أنّ الاتهامات الباطلة تثبت بأنّ القضاء وتوابعه ومنها النيابة يعملون بالتنسيق وتوزيع الأدوار مع المؤسسات الأمنية، وكلّ هذه المؤسسات والأجهزة مجتمعة تشكّل خطراً على وحدة المجتمع وتماسكه وتنوعه المذهبي، لأنّ كلّ ما يُطرح حتى اللحظة لا يشكّل تهمة بل محاكمة مذهب ديني.

رابعاً: العلماء المعتقلون ينتمون لمدارس وحوزات مختلفة وليسوا من طيف أو انتماء أو مدرسة واحدة، وهذا الاختلاف في المدارس والتوجهات يؤكد أن ما أقدمت عليه السلطة من اتهامات مجرد من أي قيمة حقيقية أو أهداف واضحة سوى الانتقام وصبّ جام غضبها على الشيعة نتيجة الحرب المشؤومة الأخيرة، والعلماء المعتقلون -وعددهم أكثر من 40 عالم دين- هم من النخبة العلمائية في البحرين، ولهم وزنهم وثقلهم الديني الاجتماعي والمعنوي، ويحضون بتقدير كبير جداً لدى أبناء شعب البحرين وشعوب العالم نتيجة عطائهم الفكري والثقافي والفقهي والعقائدي، ولهم كتب ومؤلفات وأبحاث قيّمة أثرت المكتبات العلمية الشرعية.

خامساً: ما يقوم به العلماء ليس عملاً سريّاً ولا مخفيّاً إطلاقاً، وكلّ أعمالهم وأنشطتهم معلنة ومكشوفة، بل أكثر من ذلك، فعملهم هذا هو عمل كان يقوم به أئمة أهل البيت (ع) قبل أكثر من 1400 سنة، وهكذا استمر في حقب وقرون مختلفة دون توقف، وهو تطبيق للأحكام الشرعية الواضحة والمعلنة في كل الكتب والمتون وغيرها، وهذا العمل سواء التبليغي أو العمل في جمع الحقوق الشرعية، هو وظيفة إلهية شرعية لا تشكّل خطورة أو ضرراً على المجتمع كما يحاول البعض تضليل وتدليس المجتمع حولها، بل على العكس من ذلك، فعمل ونشاط هؤلاء العلماء يمثّل حماية للمجتمع من كلّ الانحرافات وموجات التطرف، ويشكّل ضمانة للمجتمع بما يقدّمونه من وعظ وإرشاد ورعاية كريمة للمواطنين.

سادساً: ما يُحاكم عليه العلماء اليوم هي شعائر ووظائف دينية أساسية وجوهرية، سواء في الوعظ والإرشاد وتقديم كل المفاهيم والرؤى والنظريات المختلفة، وكذلك تلقّي الحقوق الشرعية، حيث يقوم بهذه الوظائف كلّ الشيعة بلا استثناء، ولا يوجد أي مرجع أو فقيه أو مدرسة شيعية لا ترى وجود نظريات إسلامية مختلفة من بينها ولاية الفقيه، وهي نظرية علمية و لها أفهام وتوجهات ومستويات مختلفة تتفاوت من مرجع لآخر، أمّا جمع الحقوق الشرعية فكل الشيعة يقومون بهذه الوظيفة دون استثناء، ومحاولة شيطنة ذلك واعتباره اكتشافاً أمنيّاً جديداً هو عمل يفتقد للمصداقية وليس له اعتبار.

سابعاً: كل النظريات والمدارس في الفقه الشيعي الجعفري لا تتناقض مع المواطنة والانتماء للوطن، ومن يحاول الخلط في هذه المفاهيم يعمل على الاستثمار السيء على حساب وحدة المجتمع وحرياته وسلامة أهله، فكلّ المذاهب والأديان لديها نظريات ومدارس مختلفة، ولا يمكن حصر أو تقييد تلك النظريات التي تجاوز عمر بعضها قرون من الزمن، أو منع الناس من الحرية في الاعتقاد والتفكير فيها.

ثامناً: لجوء السلطة لاستهداف بعض المؤسسات والشعائر كما جرى مع الأوقاف الجعفرية بسلبها أهم مقوماتها وهي الخصوصيّة، وإغلاق جمعية التوعية الاسلامية، كل ذلك وغيره من تحركات طائفية، كشفت بأنّ اعتقال العلماء ليس مفصولاً عن مسارات أخرى كلّها تصبّ في استهداف الشيعة كشيعة بدون تمييز أو أسباب واقعية كما تدّعي السلطة.

تاسعاً: إنّ العلماء المعتقلين غير مشتغلين بالشأن السياسي بشكل عام، واهتمامهم الأساس هو بالعمل الوعظي والإرشاد والتدريس، ومحاولة السلطات بشكل سافر اعتبارهم جزء من مشروع خارجي هو كذب وافتراء وغير قابل للتصديق أو الاحترام.

عاشراً: الخمس والحقوق الشرعية جزء من فروع الدين الثابتة لدى الشيعة الإمامية بلا استثناء، وهذه الفروع عمرها من عمر المذهب الشيعي، وتجريمها تجريم للمذهب، ولا يمكن للشيعة في البحرين وفي هذه الحقبة الزمنية أن يغيّروا دينهم بسبب سلطة حاكمة لم تستطع استيعاب وجود مذاهب ومدارس دينية تختلف عما تتبنى وتؤمن، وهذا حقها الطبيعي كما هو حق شعب البحرين من جهة أخرى.

أخيراً: نطالب بشكل جاد بإشراك جهات علمائية شيعية في موضوعات القضايا والتهم الموجهة، للوقوف على كل هذه التفاصيل من أهل الاختصاص، فما يُطرح معيب ومخجل، وإذا استمرّت فيه الحكومة فهو إعلان حرب على الأصول والفروع والشعائر والنظريات لدى الشيعة.

إنّ أبناء المذهب الجعفري في البحرين يشعرون ببالغ الخطر والتهديد على أنفسهم ودينهم ومعتقداتهم وشعائرهم ووجودهم نتيجة الاستهدافات الخطيرة والمتكررة، وأنّ كل ما جرى ويجري يدار عبر شبكات من المتطرفين الذين يهاجمون الشيعة بالشتائم وينالون من أئمتهم وتاريخهم أمام مرأى ومسمع السلطة وبغطاء حكومي.

جمعية الوفاق الوطني الإسلامية
01 يونيو 2026