تشهد البحرين منذ أسابيع حملة طائفية مسعورة سقطت خلالها كل المواثيق والقيم والأعراف المرعية في هذا البلد من خلال استهداف الشعائر والإحياءات الدينية التي اعتاد عليها شعب البحرين منذ قرون طويلة.
ولم يعد هناك شيء يفسر تصرفات المسؤولين في وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية والجهات المعنية تجاه موسم عاشوراء سوى أن الحكومة تتصرف بشكل مدروس ومخطط له لاستفزاز مشاعر المواطنين والتعدي على شعائرهم ومراسمهم الدينية والمذهبية.
فمنذ أيام والمسؤولين يجتمعون مع رؤساء المآتم والحسينيات والجهات الأهلية ويطلقون التهديدات ويؤزمون الأجواء، حتى بات موسم عاشوراء هذه السنة عنواناً لمثل هذه الممارسات غير المسؤولة، إذ تنطلق هذه الجهات من مبدأ التضييق ووضع المزيد من القيود وتعقيد الأمور بدلاً من رعاية الحريات الدينية وتسهيل الإجراءات كما تدّعي زوراً.
فليس من المفهوم محاولة هذه الجهات التطفل على كل التفاصيل المعتادة في الوقت والشكل والكيفية لإحياء هذه المناسبة العظيمة والمقدسة، من قبيل أوقات انتهاء المواكب العزائية، وتحديد أماكن وضع السواد، وختم اليافطات، ووضع رؤساء المآتم في موقع المحاسبة والتهديد، وبشكل يوجّه رسالة للمواطنين مفادها أن هذه الشعائر غير مرغوب فيها لدى هؤلاء الحكام، وكأنّ المسؤولين مخّولين على دين الناس وشعائرهم، حيث يحترفون البحث عن إيجاد قيود جديدة، في وقت تُجرى هذه الشعائر خلال كل الحقب والدول والجماعات التي حكمت هذا البلد، وهذه المواسم جزء من تراث وأنشطة وشعائر البحرينيين منذ قرون، وهي تجرى بشكل حضاري في العاصمة المعروفة بتاريخها الحسيني وكذلك في المناطق، وتساهم في زيادة حركة الحياة على كل المستويات وليس كما تحاول السلطات التسويق بخلاف ذلك.
كما تشير تصرفات قوات الأمن داخل الأحياء السكنية واقتحامها بشكل مستفز في كل حين ووقت، وإزالة اليافطات والمظاهر العاشورائية تحت حجج واهية، مظهراً لقرارات الحكومة في تأزيم الموسم وتحويله إلى قبضة أمنية مفتوحة، فهل ما قامت به قوات الأمن داخل منطقتي أبوصيبع وأبوقوة قبل أيام يمثّل سلوك دولة؟ وهل يستحق الأمر أن تستخدم هذه القوات، العنف في سبيل انتزاع رايات لا تشكل تهديداً لأحد؟ ومن سيكون المسؤول في حالة وقوع إصابات أو ضحايا كما حصل؟ ولماذا لا تتصرف هذه القوات بشكل حضاري وعقلاني وبعيداً عن العقلية الطائفية المريضة وتكف أيديها عن شعائر الناس ومناطقهم؟ وهل بات شغل الحكومة الشاغل هو يافطات الشعائر، وهل أصبح السواد المعلّق تهديداً لأمن الدولة؟
إطلاق هذه التساؤلات إنما يكون في بيئة فيها من العقلاء الذين ينظرون للأمور من زوايا وطنية، ويُقيّمون المشهد وفقاً لمعايير المصالح والمفاسد، والمساواة والعدالة والمواطنة، وللأسف فقد يئس المواطنون من هذه الحكومة، وبلغوا أعلى درجات الحنق تجاه تصرفاتها الصبيانية، وقد باتت مسألة الإصلاح بعيدة عن تفكيرهم في ظلّ تصدّر الشخصيات التأزيمية وأصحاب الرقاب المثقلة بالانتهاكات للمشهد الوطني.
وفي ظل هكذا نتيجة، هل يمكن أن يحصل هؤلاء الناس على توضيح مفهوم، وتبرير موزون، حول تلقّي عشرات الخطباء والرواديد اتصالات تفيد بمنعهم من ممارسة وظائفهم الدينية في الخطابة والإنشاد خلال موسم عاشوراء وغيره، وما الداعي لمثل هذا القرار سوى التضييق واستفزاز المواطنين واضطهادهم؟!
لقد تآكلت الشرعية القانونية حتى صارت القناعة الغالبة لدى أبناء شعب البحرين هي استخدام مواد القانون كأداة للقمع والجور والتعسف والتضييق، فهل تشعر السلطة بأنّ هذا النحو من الحكم هو الطريقة الصحيحة لإدارة البلاد؟! وهل يمكن إدارة البلاد بهذا الشكل من التجاوز على الدستور والقوانين، وضرب الحقوق والحريات والتعايش؟!
إنّ استهداف المواطنين الشيعة في البحرين من قبل الحكم وبشكل علني ومكشوف، سيعني في الأيام المقبلة انهيار ما تبقى من أسس التعايش مع هذه السلطة، وسيؤدي بالنتيجة للمزيد من تعقيد الأزمة وتفاقم الصراع.
البحرين تحتاج إلى مشروع سياسي شامل ينطلق من إعادة بناء العقد الاجتماعي المفقود بين الشعب والسلطة الحاكمة، ويشكل اللبنة الأولى لإعادة بناء الثقة المتآكلة، وضرورة المواطنة القائمة على العدالة والقانون والمؤسسات.
جمعية الوفاق الوطني الإسلامية
22 يونيو 2026





