كلمة نائب الامين العام للوفاق الشيخ حسين الديهي في ايام تشييع الإمام القائد الشهيد السيد علي الخامنئي قد الله نفسه الزكية

وداع الجبل الأشمّ

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾

أيها الأحرار في كل أرض أحزنهم ثقل المصاب وعظيم الحدث…
أيها الأحبة الذين لا يودّعون رجلا بل يودّعون جبلا…
السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.
كيف يجد المرء كلمات وقد رحل مَن كان يعلّمنا الكلام؟
كيف تمسك الأقلام بأنفسها وقد غاب مَن كان يهب الحرف معناه؟
كيف يقف الخطيب اليوم على منبر وكل منبر في الدنيا يشعر باليتم؟
نعم، اليوم نحن أيتام.
لأن الأب الحاني على كل الأمة الإسلامية بل على كل الإنسانية قد ودعنا بجسده الطاهر ويده العطوفة الرحيمة بالمؤمنين، الشديدة على أعداء الدين.
لقد ودعنا وما فارقنا، أبدا لم ولن تفارقنا روحه القدسية وكلماته النورانية وعطاءاته الخالدة، سيبقى محفورا في عقولنا وقلوبنا ووجداننا أنه ولي أمر المسلمين ذلك القائد العظيم الذي حمل الأمانة خمسة وثلاثين عاما كأنها لحظة واحدة من الثبات والعطاء، وقد استشهد على أيدي أعتى طغاة عرفهم التاريخ: أمريكا وإسرائيل، تلك الثنائية الإجرامية التي لم تعرف يوما إلا لغة الدم والحصار والنار.
لقد ظنوا أنهم يطفئون نورا، وما علموا أن الشهادة هي أعظم نور، وأن قتل الإمام الشهيد إنما أوقد ثورة النور، وجدد انفجار النور، فانبعثت الثورة من جديد، تلك الثورة التي عبر عنها الامام الخميني العظيم بأنها كانت انفجارا للنور. وهي كذلك حقيقة.
أيها الأحبة أينما كنتم…
إننا اليوم في موقف يثقله الحزن، وتعجز فيه الكلمات عن الإحاطة بما يختلج في الصدور من ألم.
فهناك رجال لا يرحلون كغيرهم لأن حضورهم لا يقاس بسنوات أعمارهم وإنما بما يتركونه من أثر في النفوس وما يغرسونه من قيم في حياة الأمم…
فأنا اليوم هنا لا أعزّيكم فقط، بل أسألكم:
مَن هو هذا الرجل الذي جعل ملايين البشر تتوقف حياتهم لحظة رحيله؟
مَن هو هذا الإنسان الذي تبكيه القلوب في طهران وبغداد وبيروت وصنعاء والمنامة وغزة، وكل مكان فيه إنسان رفع رأسه في وجه الظلم والظالمين؟
إنه ليس مجرد قائد سياسي.
إنه لم يكن زعيما يسكن قصرا ويجمع ثروات.
إنه كان الفكرة حين تتجسّد في رجل.
إنه كان المبدأ حين يمشي على قدمين.
إنه كان الثورة التي لا تهرم، والإيمان الذي لا تنكسر شوكته، والشجرة التي كلما هبّت عليها العواصف ازدادت تجذّرا في الأرض.
أيها الأحبة…
كان سيدنا الشهيد المعظم، قبل أن يكون قائدا، طالب علم في حوزة مقدسة، يحمل الكتاب بيد والثورة بيد.
وقبل أن تحمله المنابر حمله السجن وهو يتلو القرآن في الظلام.
هذا الرجل كان يعيش بساطة الزاهد وهو يحكم دولة، ويتكلم بصدق العالِم وهو يواجه إمبراطوريات، ويحمل حنان الأب وهو يخاطب الملايين.
كان يعلمنا دائما أن مقاومة الظالمين والمستكبرين ليست خيارا، إنما هي الهواء الذي نتنفسه. فإذا كففنا عنها، اختنقنا.
وها أنتم تشهدون: لقد استشهد قائدنا المعظم وهو يتنفس المقاومة حتى آخر نَفَس.
إن أبناء شعبنا في البحرين، الذين يتابعوننا اليوم من خلف القضبان ومن أرض الشتات ومن كل بقعة حرموا فيها من حقهم في الحياة الكريمة، يعلمون أكثر من غيرهم بأن الإمام القائد هو مَن مدّ يده نحوهم وهم يصرخون خلف أسلاك وقضبان، وهم يواجهون آلة القمع والعدوان بصدور عارية وعيون باكية لكنها لا تنكسر أبدا.
يعلمون أكثر من غيرهم أن ذلك الرجل العظيم لم يكن يرى البحرين نقطة صغيرة في الخارطة، لا وألف لا.
بل كان يرى في كل بحريني عانى من الظلم إنسانا بكامل قيمته، وفي كل سجين بحريني شهيدا حيا حرا يجب أن تُرفع عنه القيود والأغلال.
نعم، لقد ذكر (رضوان الله عليه) أبناءنا في خطبه، وحزن لجراحهم، وكان صوتهم حين أُسكتت أصواتهم.
ودموع البحرينيين اليوم على رحيله شرف لهم وشهادة منهم بأن هذا الرجل العظيم كان حقا وليا ومحبا لكل مستضعف ومظلوم على وجه الأرض. فليحفظوا دموعهم في القلب وقودا للطريق.
أيها الأحبة…
قال الطغاة إنهم اغتالوا قائدا، لكن لم يغتالوا إلا جسدا طاهرا.
أما الروح فهي حاضرة الآن تسري بيننا في هذه القاعة وفي هذه الصدور وفي كل مكان، وفي هذه العيون التي تبكي اليوم لتحارب وتقاوم غدا.
فالشهيد لا يموت وهذه ليست عبارة شعرية بل معادلة إلهية تاريخية أثبتتها الدماء الزكية على امتداد الأجيال والتاريخ.
هل مات الحسين؟ لو مات الحسين لما كنا هنا اليوم.
هل ماتت زينب؟ لو ماتت زينب لما بقيت لنا الرسالة.
وهل يموت مَن جعل من حياته وقفا على الرسالة؟
السيد الولي الخامنئي استشهد، لكن السيد الخامنئي باقٍ في كل طفل علّمه أن يرفع رأسه وفي كل شاب أقنعه أن الذل أمرّ من الموت، وفي كل شعب أيقظه على أن الكرامة لا تُستجدى بل تُنتزع.
الطغاة ظنوا بقتله أنهم ينتهون من مشكلة…
لكنهم في الحقيقة أشعلوا ألف شعلة لكل جسد أراد أن يستريح…
أمريكا وإسرائيل، اللتان تبنيان سياساتهما على الاغتيال والقتل وقصف الأطفال، لم تفهما يوما قانونا أزليا: أن الشهداء لا يموتون أبدا.
قتلوا الحسين فأحيوا ثورة لا تنتهي…
قتلوا الصدر فأحيوا وعيا لا ينام…
وقتلوا الخامنئي فأحيوا موجة عاتية لن يستطيع أحد إيقافها…
لأن الدم حين يسقط من كفّ وليّ أمر يتحوّل حينها إلى نهر جارف، والنهر لا يعود إلى الوراء.
والآن أخاطبك أيها الشهيد المعظم…
أيها السيد الجليل، يا حبيب قلوبنا، يا ولي أمرنا…
نحن هنا اليوم، من كل أرض ومن كل منفى ومن خلف كل قضبان، قلوبنا متراصّة كجدار لا يتصدع.
جئنا لنودّعك جسدا ونستقبلك روحا ترفرف على رؤوسنا.
جئنا لنقول لك: أمانتك في أعناقنا.
جئنا لنقول لك: إن الطريق الذي رسمته لن نتركه.
جئنا لنقول لك: إن الأعداء الذين حاربتهم طوال عمرك سنواصل مواجهتهم بكل ما أوتينا من قوة وإيمان ووعي وعزيمة.
جئنا لنقول لك: إن البحرين التي أحببتها ستظل تذكرك، والمظلومين الذين وقفت معهم وإلى جانبهم سيحملون اسمك شعلة في كل ميدان.
ولن تخمد الشعلة… أقسم بالله لن تخمد.
أيها الأحبة في كل مكان…
الرسالة الأخيرة التي نحملها من بين يدي السيد القائد الشهيد هي: لا للاستسلام، ولا للخوف، ولا للصمت.
الصمت قبر للأحياء والخوف زنزانة يبنيها الإنسان لنفسه قبل أن يبنيها له الطاغية.
نعم، البكاء طبيعي فالبكاء على رجل عظيم عبادة وإنسانية، لكن ليكن البكاء وقودا لا وحلا ومستنقعا نسقط فيه.
إن السيد الشهيد الخامنئي(رضوان الله عليه) لو أطلّ علينا الآن من عُلاه لقال: لا تبكوا علي كثيرا، بل قاوموا لأجلي كل طواغيت الأرض ومستكبريها .
وامضوا خلف القائد المعظم الخلف الصالح، الإمام السيد مجتبى الخامنائي (أعزه الله تعالى] بنفس العزيمة بل بأشد منها صلابة وثباتا، وبوحدة إسلامية مظفرة تُعلي شأن الإسلام العزيز، وتجعل كلمة الله هي العليا في الأرض.
ختاما…
﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
الامام القائد السيد علي الخامنئي(رضوان الله عليه) قد قضى نحبه وهو على العهد… ونحن الباقون ننتظر أن نلتحق به على ذات الطريق إن شاء الله تعالى.
اللهم تقبّل شهيدك العظيم.
اللهم ارفع درجته مع آبائه الطاهرين، ومع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا.
اللهم ثبت أقدامنا على الطريق الذي رسمه لنا.
اللهم كن للمستضعفين بعده ناصرا، وللمظلومين ظهيرا، وللطغاة قاصما.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته