العنوان: لا معبود سواك / التاريخ: الجمعة 30 صفر 1448 ه – 14 أغسطس 2026مـ / المحاضر: الشيخ عادل الشّعلة
السّلامُ عَلَيْكُم ورحمةُ اللهِ وبركَاتهُ.
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً لِأَنْعُمِهِ وَأَيَادِيهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَهَادَةً تَبْلُغُهُ وَتُرْضِيهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلَاةً تُزْلِفُهُم وَتُحْظِيهِم.. صلّى اللهُ عَلَيْكّ يَا بَقيّةَ اللهِ.. صلّى اللهُ عَلَيْكّ يَا بَقيّةَ اللهِ.. .. صلّى اللهُ عَلَيْكّ يَا بَقيّةَ اللهِ.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾[1].
أولي الأمر هم الأئمة من آل محمد )صلى الله عليه وآله(، أوجب الله طاعتهم بالإطلاق كما أوجب طاعته وطاعة رسوله (صلّى الله عليه وآله).. أمرهُم أمرُ الله تعالى، ومِنْ أمرِ الله تعالى طاعته وحده، وهذا ما علّمنا إياهُ أميرِ المُؤمنينَ (عليهِ السّلامُ) في التّعاطي مع السّائس الشّرعيّ، فما بالك بغيره من حاكم ابتلت به الأمّة لا يُراعي حكم الله تعالى، فعَنْ ثَابِتِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَيِّدِ الْعَابِدِينَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلامُ)، قَالَ: «وَأَمَّا حَقُّ سَائِسِكَ بِالْمِلْكِ فَأَنْ تُطِيعَهُ وَلَا تَعْصِيَهُ إِلَّا فِيمَا يُسْخِطُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ»[2].
وَقَدْ رُوي عَنْه (عليهِ السّلامُ) عَنْ جَدِّيْهِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وأَمِيِرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ابنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلامُ) أَنَّهُمَا قَالَا: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ»[3].
وعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ نَاجِدٍ [نَاجِذٍ]، عَنْ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلامُ) قَالَ -في حديثٍ-: «وَإِنَّهُ يَهْلِكُ فِيَّ مُحِبٌّ مُطْرٍ يُقَرِّظُنِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ، ومُبْغِضٌ مُفْتَرٍ يَحْمِلُهُ شَنَآنِي عَلَى أَنْ يَبْهَتَنِي، أَلَا وإِنِّي لَسْتُ بِنَبِيٍّ ولَا يُوحَى إِلَيَّ، ولَكِنْ أَعْمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُ، فَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فَحَقَّ عَلَيْكُمْ طَاعَتِي فِيمَا أَحْبَبْتُمْ وكَرِهْتُمْ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ أَوْ غَيْرِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَلَا طَاعَةَ لِأَحَدٍ فِي الْمَعْصِيَةِ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»[4].. أميرُ المؤمنينَ (عليه السّلام) لا يأمرُ بالمعصيةِ، ولكنّه يُعلّم أمّته، بأنّه أو غيره -كحاكم- لو أمر بمعصيةٍ فلا طاعة للآمر في معصيةِ اللهِ، فالله أكبرُ منه وأعزُّ وأجلُّ.
هذه المعاني التي ذُكرت في الأخبار مشمولة لآيات قرآنية كثيرة، أُشير إلى بعضها:
منها: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾[5]، ولا ريب في أنّ تمكينَ الظّالم من الحكمِ أحدُ أظهر مصاديقِ الرّكون إليهِ.
منها: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾[6]. والمسرفون «هم الذين تجاوزوا الحدّ بالبعد من الحقّ»[7]، ولهذا في سورة يونس وصف الله فرعون بذلكَ فقال: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾[8]. وقال تعالى في الذين أطاعوا من حذّر الله إطاعتهم: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾[9].
وفق ذلك ينبغي التّنويه إلى أنّ الحكوماتِ المنحرفةَ عن موازينِ الإسلامِ والعدالةِ انحرافاً أساسيّاً، كما استحوذت على أموال الأمم التي تحكم دون حسيبٍ أو رقيبٍ، وجعلت أساسَ حكمها قائِماً على الاستبدادِ والهوى والعمالةِ لقوى الطّغيانِ الكبرى.. كلُّ حكومةٍ من أمثالِ هذه الحكومات، هي حكومةٌ فاقدة لشرعيتها ومشروعيتها ومنخلعةٌ قهراً حتّى لو لم تَقْدِرْ الأمّةُ على خلعها حين يجب ذلك عليها، وذلك لأنّ الله تعالى قد قال في محكم كتابه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[10].
وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[11].
لا شرعيّة للحكم إن كان مخالفاً لحكمِ الله تعالى حتّى لو ألجأَ مَنْ يحكُمَهُم -بطريقةِ الإرهابِ والإرعابِ- لمبايعتهِ ومولاتهِ. ومن بايعَ ووالى الظّالمينَ بإرادتهِ ورضاه، فموالاتُه ليست فقطْ غيرَ موجبةٍ لمشروعيّة الظّالم، بل موجبة أيضاً لخروج المبايعِ والموالي عنْ الكمال في دينِ اللهِ تعالى وسلامته العمليّة، فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «لَا دِينَ لِمَنْ دَانَ بِطَاعَةِ مَنْ عَصَى اللَّهَ، ولَادِينَ لِمَنْ دَانَ بِفِرْيَةِ بَاطِلٍ[12] عَلَى اللَّهِ، ولَادِينَ لِمَنْ دَانَ بِجُحُودِ شَيْءٍ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ»[13].
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): "مَنْ أَرْضى سُلْطَاناً بِسَخَطِ اللَّهِ، خَرَجَ مِنْ دِينِ اللَّهِ"»[14].
لهذا على الأمّة المؤمنة أن تسعي وتعملَ على كلِّ ما يُمكِّنُها من إزالةِ حكم الطّواغيت في الأرضِ، وإقامةِ حُكمِ اللهِ تعالى، ومن الواجبات الأساسيّة التي تُمكّنها من ذلك هو صناعةُ نفسِها فرادى ومُجتمعة، وذلك شرطٌ أساسيٌّ، ففِي مُوثّقةِ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: «لَقِيَ عَبَّادٌ الْبَصْرِيُّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا) فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ، تَرَكْتَ الْجِهَادَ وصُعُوبَتَهُ، وَأَقْبَلْتَ عَلَى الْحَجِ ولِينَتِهِ، إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ والْإِنْجِيلِ والْقُرْآنِ ومَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[15]. فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ): أَتِمَّ الْآيَةَ، فَقَالَ: ﴿التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ[16] الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ والْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[17]، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ): إِذَا رَأَيْنَا هؤُلَاءِ الَّذِينَ هذِهِ صِفَتُهُمْ، فَالْجِهَادُ مَعَهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْحَجِّ»[18].
هذا النّص يُشير إلى أنّ مبدأ الثّورة على الحكومات الجائرة لم يسقط بنصّ القرآن، لكنّ حصوله مشروطٌ بوجود النّخبة التي لها هذه الشّروط القرآنيّة.. الأمّةُ عليها أن تعدّ هذه الشّروط في نفسها لتكون قادرةً ومنتظرةً، وبعملها في تحقيق أمثال هذه المواصفات في نفسها يجعلها في خطوط الجهاد الأماميّة، فعَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ الصَّادِقَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ مُنْتَظِراً لِهَذَا الْأَمْرِ كَانَ كَمَنْ كَانَ مَعَ الْقَائِمِ فِي فُسْطَاطِهِ، لَا، بَلْ كَانَ كَالضَّارِبِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ) بِالسَّيْفِ[19]»[20].. انتظار المؤمن يعني -فيما يعني- : المقاومة والاستقامة لا الاستكانة والانظلام، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾[21]، والآية تُفيد الحصر، أي: لا موعظة إلا بخصلة واحدة، وهي: القيام للَّه، أي: المقاومة لإحياء أمر اللَّه والاستقامة في امتثال حكمه، وهذا هو المعبر عنه بالجهاد، فالدّين الإلهي متبلور في المجاهدة لا غير، والجهاد مع الأهواء والأعداء قيام، وإعطاء الأعداء باليد والتسليم لهم أو الفرار منهم قعود وعجز[22].
موقف العزّة الأبيّ:
لا يسعني في الختام إلاّ القول بأنّ زيارة الأربعين قد أصبحت محطّة اجتماعية كُبرى من محطّات الإنتظار الواعي الذي يجب أن يتعزّز ويتقوى من خلال قطرات المساهمات الفرديّة تخطيطاً وبذلاً في المال والجهد والعطاء المتنوع في كلّ الأبعاد لتجتمع في معين كربلاء أمّةً واحدة قويّة بصيرة، يتجلى بهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾[23].. وهذا التّجلّى هو أحد أبعاد سياسات المنع اليزيديّة، حيث لم تُرد لأتباع أهل البيت (عليهم السّلام) أن يكونوا ضمن الأمة الواحدة العابدة.
مفخرة للمؤمنين والمؤمنات الذين تمكنوا من الدّفاع عن شعيرة زيارة الأربعين بموقف: "هَيْهَاتَ لَهُ ذَلِكَ مِنِّي هَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةِ"، عبرَ موقفِ الإقدام وحضور الخائف، فانطبق عليهم ما ورد عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) قَالَ: «قُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَنْزِلُ الْأَرَّجَانَ[24] وقَلْبِي يُنَازِعُنِي إِلَى قَبْرِ أَبِيكَ، فَإِذَا خَرَجْتُ فَقَلْبِي وَجِلٌ مُشْفِقٌ حَتَّى أَرْجِعَ خَوْفاً مِنَ السُّلْطَانِ والسُّعَاةِ وأَصْحَابِ الْمَسَالِحِ[25]؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ بُكَيْرٍ، أَمَا تُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ اللَّهُ فِينَا خَائِفاً؟! أَمَا تَعْلَمُ أَنَّهُ مَنْ خَافَ لِخَوْفِنَا أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ، وكَانَ مُحَدِّثُهُ الْحُسَيْنَ (عَلَيْهِ السَّلامُ) تَحْتَ الْعَرْشِ، وآمَنَهُ اللَّهُ مِنْ أَفْزَاعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَفْزَعُ النَّاسُ ولَا يَفْزَعُ، فَإِنْ فَزِعَ وَقَّرَتْهُ [قَوَّتْهُ] الْمَلَائِكَةُ وسَكَّنَتْ قَلْبَهُ بِالْبِشَارَةِ»[26]. أو عبر موقف الإحجام الذي أبى أن يركن لقرار الإذن في أداء الشّعائر، فآثر أن يكون مسجوناً محبوساً بغصّته وشوقه إلى الغريب العطشان، على أن يمكّن الطّائفيين البندريين من تكبيل الشّعيرة، فانطبق عليهم ما ورد عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) أَنَّ رَجُلاً سَألَه: «مَا لِمَنْ حُبِسَ فِي إِتْيَانِهِ -إتيان الحسين (عليه السّلام)-؟ قَالَ: لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ يُحْبَسُ وَيَغْتَمَّ فَرْحَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[27]، نعم، قد عمدت السّلطة بسياتها حبس الطّائفة. وأردتُ أن أقول بأنّكم انهزمتم، والغمّ الذي أدخلتموه على الآلاف من أتباع أهل البيت (عليهم السّلام) قد تحوّل إلى فرحة ستتجلّى لكم: ﴿يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾[28].
محاكمة العلماء:
والسّجناء وعلى رأسهم العشرات من العلماء المكبلين في السّجون الخليفيّة، سيما الذين يُحاكموا في هذه الأيام بمحاكمات سياسيّة صورية فاقدة للعدالة، قد حُرموا من زيارة الأربعين والكثيرون منهم كانوا محاضرين مرشدين مربّين معلّمين، قد استذكرهم الزّائرون هذا العام وزاروا عنهم بالنّيابة وعن كلّ ممنوع من أبناء هذا الشّعب، وأتضرّع إلى الله تعالى أن يجعل زيارة المعتقلين والشّعب الأبيّ عن بعد من أعظم زياراتهم قرباً عند الله تعالى وعند رسوله (صلّى الله عليه وآله)
لذا نُجدد الاستنكار على الاستمرارية في إمعان الظلم بمحاكمة العلماءِ الطّيبين الصّادقين المحبوبين الذين لهم موقعية كبيرة في قلوب شعبهم.. الشّعب يعلم بأنّ الاعتقال قد جرى ضمن مخطط طائفي بندريّ آثم، قام على أساس الافتراءات والاتهامات الكيديّة الظّالمة.
ومن سخريات الزّمن أنّ السّلطة المتهمة بخيانتها للوطن عبر جعله مرتهناً للصّهاينة والإمريكان.. قد رمت بدائها العلماء الذين عرفوا بوطنّيتهم وحرصهم على دينهم وأرضهم وشعبهم.. أرادت بتهمة الخيانة لعدد كبير من علماء الشّيعة أن تُشكّل حدثاً ضخما على مستوى واقع هذا الوطن الصّغير، لتحقّق عدداً من الأهداف:
منها: أن تُوهم شعبَ الموالاةِ بوجود خطرٍ يتهدّدُ الحكمَ -كحكمٍ سنّيٍ-.
منها: أن تَكسبَ تعاطفَ الدّولِ الخليجيةِ التي تُصدّق هذه الأكاذيبَ حتّى تحصل منها على الإسناد ضدّ الشّعب الأصيل.
منها: أن تُهيء أرضيةَ التّعدي على شؤون الطّائفة، وتبرّر أيّ قمع قد يحصل نتيجة هذه التّعديات.
منها: أن تفصلَ الشّعبَ عن علمائهِ الطّيبينِ، وتقمعَ أيّةَ حركةٍ شعبيةٍ مُحتملةٍ مندّدةٍ لجرائمها في حقّ العلماء.
منها: أن تجعلَ العلماء رهائنَ احتساباً للمتغيراتِ الإقليميةِ.
منها: أن تخلُقَ الرّعبَ في الوسط الاجتماعي والشّعبي.
إلاّ أنّ على السّلطة أن تعلم أنّها قد فشلت في تحقيق جميع أهدافها، وستفشل إن شاء الله تعالى في مشاريعها القادمة، لأنّ الشّعب -من الشّيعة والسنّة الأوفياء، لا الذين يعملون لمصالحهم من الطّائفتين- مُدركون لما يجري، أمّا أتباع أهل البيت (عليهم السّلام) فصبرُهم وسكوتُهم ليس خوفاً أو لا مبالاة بما يجري من ظلم والعياذ بالله تعالى.
وأمّا أهل السّنةِ فقد تبيّن لهم أنّ السّلطة الحاكمة في البحرين قد خانت الأمّة الإسلامية والأمة العربية ووضعت نفسها موضع الحليف للصّهيوني والأمريكي، وأنّ الشّيعة لا يشكّلون خطراً، بل هم الذين يدافعون عن الإسلام والمسلمين وما يتعرّضون إليه اليوم ليس إلاّ موافقهم في نصرة الإسلام والمسلمين، ولو باعوا أنفسهم للصهاينة والأمريكان لكانوا على رأس كلّ هذه الدّول العميلة.. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
[1]. النساء: 59.
[2]. من لا يحضره الفقيه للصّدوق: 2 / 619 ح3214.
[3]. ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في: من لا يحضره الفقيه للصّدوق: 2 / 619 ح3214. وورد عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) في: دعائم الإسلام لابن حيّون المغربيّ: 1 / 350، وفي: نهج البلاغة للشريف الرّضي -تحقيق صبحي الصالح-: 500 ح167.
[4]. شواهد التّنزيل لقواعد التّفضيل للحسكانيّ: 2 / 228 ح862.
[5]. هود: 113.
[6]. الشعراء: 151-152.
[7]. التّبيان في تفسير القرآن للطّوسي: 8 / 50.
[8]. يونس: 83.
[9]. الأحزاب: 66-67.
[10]. المائدة: 45.
[11]. المائدة: 45.
[12]. «الفِرْية»: الكذب.
[13]. الكافي للكلينيّ -دار الحديث-: 4 / 117 ح2821.
[14]. الكافي للكلينيّ -دار الحديث-: 4 / 118 ح2822. كنز العمال للمتقي الهندي: 6 / 70 ح14888.
[15]. التوبة: 111.
[16]. يقال: ساح في الأرض يسيح سياحة، إذا ذهب فيها، وأصله من السيح، وهو الماء الجاري المنبسط على وجه الأرض، وفي الحديث: سياحة هذه الامّة الصيام، قيل للصائم: سائح؛ لأنّ الذي يسيح في الأرض متعبّد يسيح ولا زاد له ولا ماء، فحين يجد يطعم، والصائم يمضي نهاره لا يأكل ولا يشرب شيئاً، فشبّه به.
[17]. التوبة: 112.
[18]. الكافي للكليني -دار الحديث-: 9 / 395 ح8224.
[19] ( 8). رواه الصدوق في الاكمال: 2/ 338 ح 11 عن أبيه وعنه في البحار: 52/ 146 ح 69.
[20]. الإمامة والتّبصرة من الحيرة لابن بابويه: 122 ح118.
[21]. سبأ: 46.
[22]. كتاب الحجّ للدّاماد تقرير الآملي: 2 / 21.
[23]. الأنبياء: 92.
[24]. ارّجان -بفتح أوله وتشديد ثانيه، تارة وبالتخفيف أخرى- مدينة من بلاد فارس.
[25]. جمع مسلحة، محل يكون فيه جماعة ذوو اسلاح كالثغر والمرقب.
[26]. كامل الزيارات لابن قولويه: 125 ب45 ح2.
[27]. كامل الزيارات لابن قولويه: 124 ب44 ح2.
[28]. الفرقا،: 27.





