مسرحية تتعثر في تفاصيلها:
كل مسرحية رديئة الإخراج تكشف عن نفسها في التفاصيل، وهذه المحاكمة لم تسلم من هذا القانون فكلما تقدمت فصولها ازدادت وضوحا في رداءتها وركاكة صنعها حتى غدت مادة للسخرية قبل أن تكون مادة للعدالة.
تحقيق يكتب بمداد الخوف:
يجري التحقيق في أجواء مشحونة بالترهيب والوعيد حتى يمتد ليطال الأهل والأعراض فيبتز بهم العلماء وكأن القضية لم تعد قضية رجل يحاسب على فعل بل يتعدى الأمر لتحاسب أسرة بأكملها وتحاصر بالتهديد ثم ليساق المتهم إلى ما يراد منه بالقوة لا إلى ما يقر به وتكتب محاضر التحقيق في غيبة من صاحبها فلا يطلع عليها ولا يقرأ سطرا منها ثم بعدها يساق إلى التوقيع مجبرا ومكرها، فأي عدالة هذه التي تصادر حق الإنسان في أن يعرف ما وقع عليه بيمينه.
وتزداد المهزلة سوداوية حين يقتاد هؤلاء العلماء الأجلاء إلى النيابة في غلس الليل وفي توقيت لا يخدم إلا من أراد أن تمر الأمور بعيدا عن الأعين وبعيدا عن اليقظة وفي دقائق خاطفة لا تكفي لقراءة سطر واحد فضلا عن اعتراف ومن ثم يوقعون على كلام لم تنطق به ألسنتهم ولم تفكر فيه عقولهم.
محاكمة عن بعد وعدالة أبعد:
ثم تأتي المحاكمة الصورية لتكمل فصول العبث فلا يحضر العلماء إلى قاعتها بل يكتفى بشاشة تفصل بين القاضي والمتهم مسافات وكأن ما يسمى بالعدالة وهي أبعد ما تكون عن العدالة أصبحت تخشى المواجهة المباشرة وحين يحاول هؤلاء الأفاضل الدفاع عن أنفسهم لا يمنح لهم من الكلام إلا النزر اليسير فأي محاكمة هذه التي تخنق صوت المتهم قبل أن تسمع دفاعه؟!.
شاهد لا يعرف ما يشهد عليه:
وتبلغ الهزلية ذروتها حين يُستدعى شاهد الإثبات، ومن هو يا ترى؟ إنه ضابط أمن... نعم ضابط أمن أخفيت صورته ولا تعرف هويته الحقيقية ليواجه أسئلة المحامين، فيسأل عن تعريف ولاية الفقيه وهي -التهمة الأساس- فيحار ولا يجد جوابا ولا يستطيع أن يُعرفها أويشرح مضمونها، ويسأل عن أسماء بعض العلماء المتهمين زورا وبهتانا فيتخبط ولا يعرف كثيرا منهم، وكلما ضاق به السؤال هرب إلى محاضر النيابة يستجير بأقوال دونت هناك لا يملك عنها إلا أن يرددها كالببغاء، فهل يعقل أن يبنى اتهام بهذا الحجم على شهادة من لا يعرف حتى المصطلح الذي يحاكم الناس بسببه.
إنها مسرحية لم يحسن كتاب سيناريوها صياغته ولم يوفق مخرجوها في اختيار ممثليها فبان التخبط في كل مشهد وظهر الارتباك في كل حوار حتى صار المشاهد يضحك حيث أريد له أن يقتنع.

ختام لا يخرج عن المألوف:
ولأننا في بلد يغيب فيه سلطان القانون الحقيقي ويحضر فيه سلطان الرغبة السياسية الحاقدة فإننا لا نتوقع من هذه المحاكمة إلا مزيدا من الأحكام القرقوشية التي تليق بمن أخرجها لا بمن يُحاكم فيها، أحكام تكتب سلفا في الدواوين قبل أن تنطق بها منصات المحاكم الصورية وتصاغ نتيجتها قبل أن تبدأ جلساتها، فأي حكم ينتظر من محاكمة هذا نسج تفاصيلها وهذا حال شهودها وهذا مصير من يقف أمامها.
المستعان بالله على كل ظالم ومستبد