العنوان: الرّضى بظلم الغير / التاريخ: الجمعة 29 ربيع الأول 1448 ه – 11 سبتمبر 2026م / المحاضر: الشيخ عادل الشّعلة

أَعُوذُ بِاللَّهِ‏ السَّمِيعِ‏ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.‏. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾.. اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ. اللَّهُ أَكْبَرُ زِنَةَ عَرْشِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَعَدَدَ قَطْرِ سَمَائِهِ‏ وَبِحَارِهِ،‏ ﴿لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏﴾، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَتَّى يَرْضَى،‏ ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾. اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيراً مُتَكَبِّراً وَإِلَهاً مُتَعَزِّزاً وَرَحِيماً مُتَحَنِّناً، يَعْفُو بَعْدَ الْقُدْرَةِ، وَلَا يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَتِهِ‏ إِلَّا الضَّالُّونَ‏. اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيراً ولَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللَّهِ حَنَّاناً قَدِيراً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ‏ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُه‏، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيّاً وَصِيُّ مُحَمَّدٍ وَخَلِيفَتُهُ فِي أُمَّتِهِ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً حَقّاً، وَأَنَّ الْحَسَنَ الْقَائِمَ بِأَمْرِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّ الْحُسَيْنَ والأَئِمّةَ مِنْ وِلْدِه الْقُوّامَ مِنْ بَعْدِهِ بِأَمْرِهِ، إِلى الْقَائِمِ بِالْقِسْطِ الْمُنْتَظَرِ الَّذِي يَمْلَؤُهَا قِسْطاً وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّار﴾[1].. أي: لا تميلوا إلى من وُجِدَ منهُ الظّلمُ وقتاً مّا، أَدْنى ميل، فإنَّ الركّونَ هُو الميلُ القليلُ، كالتّزَيي بزيِّهم، وتعظيمِ ذكرِهم واستدامتهِ، فإنْ فعلتُم ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ بركِونكِم إليهم، فإذا كان الميلُ اليسيرُ إلى من صدر منهُ [الظّلمُ] وقتاً مّا، يُسمّى ظُلماً، موجِباً لمسّ النّار، فما ظنُّكُم بالميلِ الكثيرِ إليهم، وبالظّالمِ نفسهِ، وبالظّلمِ[2]. وإذا كانَ الميلُ القليلُ إلى أحدٍ من الظَّلَمةِ مُوجِباً لمسّ النّارِ الّذي يدلُّ على أَنّهُ كبيرةٌ، فمعاونَتُهم بالطريقِ الأولى موجبةٌ لمسّ النّار[3]، ويُفهم من ذلك: أنَّ في الآيةِ إشارةٌ إلى أنّ الرّاضي والمحبَّ للظّالمينَ شريكٌ معهُم، والقدرُ المتيقّنُ: الشّراكةُ في أصلِ العقابِ -لا في درجتهِ-.

المشاركةُ لهُ في أصلِ العقابِ بيّنتهُ النُّصوصُ الحدَيثيّةِ:

مِنها: في عيونِ الحِكَمِ والمواعظِ: عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ: الْعَامِلُ بِالظُّلْمِ، وَالْمُعِينُ عَلَيْهِ، وَالرَّاضِي بِهِ‏»[4].

منها: في الكافي: عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: «الْعَامِلُ‏ بِالظُّلْمِ‏، وَالْمُعِينُ لَهُ‏، وَالرَّاضِي بِهِ، شُرَكَاءُ ثَلَاثَتُهُمْ‏»[5].

ورواه الصّدوقُ في الخصال[6]، وابنُ شعبة الحرّاني في تحف العقول[7].

منها: في تحف العقول: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْهَادِي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ أَوْلِيَائِهِ: «أَمَّا هَذِهِ الدُّنْيَا فَإِنَّا فِيهَا مُغْتَرِفُونَ، وَلَكِنْ مَنْ كَانَ هَوَاهُ هَوَى‏ صَاحِبِهِ‏ وَدَانَ بِدِينِهِ فَهُوَ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ‏، وَالْآخِرَةُ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ»[8].. رِضى الإنسانِ وهواهُ وحبُّه قد يرقى بقدْرهِ وقدْ يحطُّ بهِ، وكِلا الأَمْرينِ يَرجعانِ إلى طبيعةِ ما يَرضى بهِ ويهْواهُ ويحبُّه.. الإنسانُ مع من يهواه، فإنْ كانَ وليّاً كان معه وشريكَه، وإن كان ظالماً كانَ معه وشريكَه.

هذه النّصوصُ تُشيرُ إلى ثلاثةِ أنماطٍ من البشرِ، أوّلُهم: الظّالمُ. وثانيهم: المعينُ للظّالم على ظلمهِ. وثالثُهم: الرّاضي بظلمِ الظّالم، والوقت لا يسع للتّوقف مع هذه الأنماط الثّلاثة، وأتوقّف للتّذكير بالنّمطِ الثّالثِ -وهُو ربّما الأكثر ابتلاءً من غيره-، أعني رضى الإنسانِ عنْ ظُلمِ الْغيرِ الّذي جعلته هذه النّصوصُ شريكاً للظّالمين..

معنى الرّضى بظلم الغير:

الظّاهرُ من معنى الرِّضى بظلمِ الغيرِ، هو أنّ الإنسان يقبلُ بظلمِ غيرهِ، فلا يُنكرُ أو يسخطُ أو يكرهُ أو يحزنُ أو يغتمُّ لما يجري على غيرهِ من ظلمٍ، بل قد يرتقي من درجةِ القبولِ بالمعنى الذي ذُكر إلى القبول بمعنى السّرور والفرح، ممّا يعني وجودُ التّأييدِ، وأمثاله لو أمكنتهُ المشاركةُ في الظّلم لشارك فيه، ولكن لسبب وآخر هو الآن ليس في درجةِ المعينِ للظّالمين، وإنّما في درجة الرّاضين، ولعلّ السبب في كونه شريكاً هي نيّته السّوداء، بمعنى أنّ رضاهُ عن ظلم الغير تعني رغبتَهُ وحبَّهُ في ظلمِ الآخر، ولهذا صار شريكاً.

قد تناول الثقلان -الكتابُ والعترةُ- هذا المعنى لشدّة خطورته على ضمير الإنسان وفطرته، فعَنْ سَمَاعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ‏: «فِي قَوْلِ اللَّهِ:‏ ﴿قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ‏ قَتَلْتُمُوهُمْ‏ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏﴾[9]، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَقْتُلُوا، وَلَكِنْ كَانَ هَوَاهُمْ مَعَ الَّذِينَ قَتَلُوا، فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ قَاتِلِينَ لِمُتَابَعَةِ هَوَاهُمْ وَرِضَاهُمْ بِذَلِكَ الْفِعْلِ»[10].

وبهذا المعنى نصوص كثيرة.

معنى الرّضى بظلم الغير:

الظُّلْمُ وَضْعُ‏ الشَّيْ‏ءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِه‏[11]. والظّالم هو من يقوم عمداً بوضع المعصية في موضع الطّاعة، أو وضعِ الباطلِ في موضعِ الحقِّ، أو وضعِ المنكرِ في موضع المعروفِ أو استعمالِ أعضائِه وجوارحِهِ في غيرِ ما خُلقَ لأجلِهِ.

وفق ذلك يُمكن القولُ بأنّ الرّاضي بظلمِ الآخرِ شريكٌ، لأنّه يرضى بوضعِ الشيءِ في غير موضعهِ.. هو يعلمُ أنّ ذلك ظلمٌ ووضعٌ للشّيء في غير موضعهِ، إلاّ أنّ له ما يُبرّر رضاه بظلم الغير، ويُمكن الإشارة إلى المبّررات الآتية:

منها: الاختلافُ في المعتقد الدّيني.

منها: الاختلافُ في المعتقد السّياسي.

منها: الخضوعُ للخطابِ الدّيني المنحرفِ، وللتّأثير الإعلاميّ المضلّل.

هذه المبررات من شأنّها أن تَصوغَ عقليّةً بقناعاتٍ ضالّةٍ منحرفةٍ، وتتبلورُ على ضوء ذلك نفسيّةٌ مريضةٌ متلّبسةٌ بلباس الحرصِ على الدّينِ والوطن.. بأحدِ هذه المبررات يتحوّلُ الموقفُ النّفسيُّ للظلّم من منكرٍ إلى فضيلةٍ.. بأحدِ هذه الأسبابِ قد يشعرُ الإنسانُ في داخله -تجاه الآخر- بالقهر والغضب والعداوة ونحو ذلك، الأمرُ الّذي قد يؤدّي به إلى الرّضى بظلمه، بل قد تقترن معهُ لذّةٌ خفيةٌ ناتجةٌ من رغبةِ التّشفي، إلاّ أنّ المؤمنَ يخضعُ فقط لدينه، ولا يخضع إلى غرائزه وأهوائه، ودينه يقول لهُ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ‏ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾[12]. أي: لا يحملنّكم عداوةُ قريشٍ أنْ صدّوكم عن المسجدِ الحرام في غزوةِ الحديبيّة أن تعتدوا عليهم وتظلموهم‏[13]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ‏ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى‏ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏﴾[14]. «﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ‏﴾ ولا يحملنّكم‏ ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ‏﴾ شِدّةُ عداوتِهم وبُغْضِهم‏ ﴿عَلى‏ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ فتعتدوا عليهم بارتكابِ ما لا يحلُّ كمُثلةٍ، وقذفٍ، وقتلِ نساءٍ وصبيةٍ، ونقضِ عهدٍ تشفّياً ممّا في قلوبكم‏. ﴿اعْدِلُوا﴾ في أوليائِكم وأعدائِكم‏ ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏﴾»[15].

وعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكَ بِالْعَدْلِ‏ فِي الْعَدُوِّ وَالصَّدِيقِ»[16].. على هذا الأساس كما أنّ الظّلمَ مرفوض تجاه العدوّ والصّديق، فكذا الرّضى بظلمهما مرفوضٌ، وإلاّ صار الرّاضي بذلك شريكاً في ظلم الظّالين، هذا الرّضى بالظلم مرفوضٌ في العدوّ الحقيقي فما بالك في الرّضى بظلم العدوّ الوهمي الذي اصطُنع لتتوجه له العداوة بدلاً من العدوّ الحقيقيّ.

على المؤمنين والمسلمين أن يعيشوا الوعي لمخططات العدوّ التي يحوكها للسّيطرة على مُقدّراتهم ومقْدُراتهم، وهذه السّيطرة حاصلة فعلاً بأيدي حكّام لا يهمّهم سوى مصالحهم، ينفقون مقدّرات الشّعوب فيما يؤمّن بقاءهم ويحفظ عروشهم، لدرجة شراء النّاس وجعلهم شعباً مرتزقاً، يرتبطُ ولاؤُه بلقمةِ عيشهِ، مستعدٌّ للقتلِ وسفكِ الدّماءِ من أجل تلك اللقمة.. يُغذى بعقيدةٍ سياسية ودينيّة تكفيريّة، تصنع من المسلم عدّواً، ومن العدوّ الصّهيوني صديقاً.

إنّ العدّو الحقيقيّ ليس العدوّ الخارجيّ المصطنع، بل هو الطّغيانُ وسياسةُ الاستفراد بالحكم، وما نعيشهُ هذه الأيام من سياسة الإستحواذِ على شؤون الطّائفة الشّيعية ومصالحها وسياسة التّنكيل بعلماءِ الطّائفة، هو صورةٌ من صور الاستفراد في الحكم والطّغيان.. ظلمٌ واضحٌ وصريحٌ.. ظلمٌ صريحٌ في أصل الاتهامات.. ظلمٌ صريحٌ في طريقةِ الاعتقالاتِ الّتي انتُهكت فيها حُرمة البيوت ومن فيها وسلبت فيها الأموالُ.. ظلمٌ صريحٌ في الاعتقالِ من حيث التّعذيب والمعاملاتِ المهينةِ.. ظلمٌ صريحٌ في طريقةِ التّحقيقاتِ.. ظلمٌ صريحٌ في طريقةِ المحاكمات.. لقد صنَعت كلَّ هذا الظّلمِ لتصنعَ ظروفاً تُمكّنُها من الاستحواذِ على شؤون الطّائفة دون صوت رافضٍ أو مستنكرٍ.. إنّ الله تعالى قد رفع عن العلماء المعتقلين التّكليفَ، وبات تكليفُ الرّفض على أعتاقِ من يَفرضُ عليه تكليفهُ عدمَ الصّمت..  أرفعُ صوتي مستنكراً هيمنةَ الحكمِ على شؤون الدّينِ وخصائصهِ التي يجب أن تكون مستقلّة ولا يحقّ للسّلطة أن تهيمنَ عليها لا شرعاً ولا قانوناً.. أرفعُ الصّوت مستنكراً هيمنةَ الحكمِ على الأوقاف الجعفريةِ والتّصرف في أوموالها وإداراتها.. أرفعُ الصّوت مستنكراً هيمنةَ الحكمِ على حسينياتِ ومساجدَ الشّيعة بل كلَّ المساجدَ.. أرفعُ الصَّوت مستنكراً كلَّ الإجراءاتِ الصّادرةِ في حقّ الخطاب الدّينيّ ووظيفة الوعظ والمنبر الحسينيّ والشّعائرَ الحسينيّةِ والعملِ الخيري.. أرفعُ الصَّوت مستنكراً كلَّ الإجراءاتِ غيرَ الشّرعيةِ وغيرَ القانونيّة.

إنّ الغضب والاحتقان يصنعُه الحكمُ، وهو الذي يولّده ويزيد من نسبته، ليس فقط عبرَ معاناتِ مئات الأسر من ورائهم التي تتألم لأبنائها في السّجون، ومن ورائها الأقرباء والمحبّين، وإِنّما عبر التّعدي المتواصل على الحقوق والخصائص الدّينية أيضاً.

في القراءة لما يجري اليوم -من محاكمة السّلطة في البحرين لعشرات من علماء الطّائفة الشّيعيّة- أَنَّهُ لا يختلفُ عمّا جرى بالأمس من محاكمة للشيخ علي سلمان، فبالأمس دخلت السّلطة في البحرين في عداء مع دولة قطر، فاستثمرت هذه العداوة في اتهام الشيخ علي سلمان بالعمالة لدولة قطر -مع أنّها كانت وسيطا بين المعارضة والسّلطة-، حاكمتْه لكي تقول للشّعب أنْ لا حقوق سياسيّة لكَ.. هي محاكمةٌ للشّيخ علي سلمان لكّن في حقيقتها محاكمةٌ لمصادرةِ حُقوقِ الشّعبِ السّياسيّةِ.

أما اليوم فتُستثمر معاداتها الجمهورية الإسلامية -العداء الذي نشأ قبل أن تقف الثّورة الإسلامية على أقدامها حين تحالفت أمريكا والصهيونية ودول الخليج وأشعلوا حرباً على الجمهورية الإسلامية لمدّة ثمان سنوات حصدت أرواح الكثيرين من الإيرانيين والعراقيين-، اليوم تستثمر عداءها لتحاكم العشرات من علماء الشّيعة بتهمة تبني فكرة ولاية الفقيه، -هذه اتهامات كاذبة وباطلة- لذا نقرأ بأنّها محاكمة في حقيقتها محاكمة لحقوق الطّائفة الدّينية، واستغلالاً للوضع الأمني التي تعيشه المنطقة في هيمنة حكومة على طائفة معيّنة ليس على حقوقها السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة والتّعليميّة فقط، بل تمتدُّ لتشملَ الهيمنةَ على الحقوقِ الدّينيّةِ.

نعتبرُ كلَّ الإجراءاتِ الصّادرةِ من الحكم للهيمنةِ على شؤون الطّائفةِ الشّيعيةِ.. إجراءاتٌ باطلةٌ لمخالفتها لخصوصياتِ الفقهِ الشّيعيّ ونكثاً بالنّصوص الدّستورية وتعهدات رؤوس الحكم لمراجع الشّيعة بعدم المساس باستقلاليةِ شعائرَ الشّيعةِ ومعتقدِهم.

أخيراً، أجدّدُ التّذكيرَ بضرورةِ السّخطِ الباطنيّ على هذا الباطلِ، واستنكارِ هذا الظُّلمِ في قلبه، حتّى يكون غيوراً على الدّين، حيَّ الضّمير، بعيداً عن الظّالمين، فعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَنَّهُ قَالَ: «الرَّاضِي‏ بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ، وَلِكُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلٍ إِثْمَانِ: إِثْمُ الرِّضَا بِهِ، وَإِثْمُ الْعَمَلِ بِهِ‏»[17].

وعَنِ السَّكُونِيِّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ):‏ «مَنْ شَهِدَ أَمْراً فَكَرِهَهُ كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهُ، وَمَنْ غَابَ عَنْ أَمْرٍ فَرَضِيَهُ كَانَ كَمَنْ شَهِدَهُ»[18].. أمثال هذه الرّوايات تدلُّ على وجوبِ إنكارِ المنكرِ بالقلبِ وحرمةِ الرِّضا بهِ على كلِّ حالٍ، ولذا أُعْلنُ من جهتي عن كرهي واستنكاري لهذه المحاكمات الجائرة، وأبرأُ إلى اللهِ تعالى ممّن يكيدُ بالشّعبِ المكائدَ ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾[19]..

هذا ويبقى واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائما على اشده ضمن الشروط الشرعية والضوابط المعتبرة.

السّلامُ على القلوب الرّافضة للمنكر والسّاخطةِ على الباطل.

أَقُولُ‏ قَوْلِي‏ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ وَمُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، والْحَمْدُ للّهِ أَوَّلًا وَآخِرا وَصَلَّى‏ اللّهُ‏ عَلَى سَيّدِ الْمُرْسَلِينَ وَعِتْرَتِهِ الْأَكْرَمِينَ.


[1]. هود: 113.

[2]. زبدة البيان في أحكام القرآن للأردبيلي: 397.

[3]. مجمع الفائدة للأردبيلي: 8 / 64.

[4]. عيون الحكم والمواعظ لليثيّ: 214 ح4250.

[5]. الكافي للكلينيّ -دار الحديث-: ‏4 / 30 ح2665.

[6]. الخصال للصّدوق: 1 / 107 ح72.

[7]. تحف العقول لابن شعبة الحراني: 216.

[8]. تحف العقول لابن شعبة الحراني: 456.

[9]. آل عمران: 183.

[10]. وسائل الشيعة للحرّ العامليّ: 16 / 268 ح21535.

[11]. الخصال للصّدوق: 1 / 310.

[12]. المائدة: 2.

[13]. تفسير القمّي لعليّ بن إبراهيم: 1 / 161.

[14]. المائدة: 8.

[15]. تفسير الصّافي للكاشاني: 2 / 20.

[16].  عيون الحكم والمواهظ لليثي: 334 ح5694.

[17]. غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي: 118 ح2107.

[18]. وسائل الشيعة للحرّ العاملي: ‏16 / 138 ح21178.

[19]. الشعراء: 227.