العنوان : كلمة انقلاب الموازين / التاريخ : الجمعة 13 ربيع الاخر 1448 ه – 25 سبتمبر 2026م / المحاضر: الشيخ عادل الشّعلة السّلامُ عَلَيْكُم ورحمةُ اللهِ وبركَاتهُ.
أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ..
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم ﴾..
لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي ويُمِيتُ وهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعِبَادِ والْبِلَادِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، واللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيراً كِبْرِيَاءُ رَبِّنَا، وجَلَالُهُ وقُدْرَتُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ الْأَوْصِيَاءِ الْمَرْضِيِّينَ بِأَفْضَلِ صَلَوَاتِكَ، وبَارِكْ عَلَيْهِمْ بِأَفْضَلِ بَرَكَاتِكَ، والسَّلَامُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ وعَلَى أَرْوَاحِهِمْ وأَجْسَادِهِمْ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكَاتُه. قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [1] .
وعَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ): كَيْفَ بِكُمْ إِذَا فَسَدَتْ نِسَاؤُكُمْ، وفَسَقَ شَبَابُكُمْ، ولَمْ تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ، ولَمْ تَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ؟
فَقِيلَ لَهُ: ويَكُونُ ذلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
فَقَالَ: نَعَمْ، وشَرٌّ مِنْ ذلِكَ، كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَمَرْتُمْ بِالْمُنْكَرِ، ونَهَيْتُمْ عَنِ الْمَعْرُوفِ؟
فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ويَكُونُ ذلِكَ؟
قَالَ: نَعَمْ، وشَرٌّ مِنْ ذلِكَ، كَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ مُنْكَراً، والْمُنْكَرَ مَعْرُوفاً؟» [2] ..
الآيةُ القرآنيّةُ والرّواياتُ الشّريفةِ تُشير إلى وجودِ حقيقةٍ قد يبتلي بها الإنسانُ، وهي حقيقةُ انقلابِ موازينِ الرّؤيةِ العقليةِ والنّفسيّةِ والعمليّةِ بحيث يُصبح المنكرِ -في تصوّرهِ وعواطفهِ وعملهِ- معروفاً، ويُصبحُ المعروفُ كذلكَ مُنْكراً، وهيَ مرحلةٌ مُتردّيةٌ منَ الانْحطاطِ العقليّ والنّفسيّ والسّلوكيّ، إذ يُستفاد من النّصِ أنّ هناكَ انحطاطٌ في علاقةِ الإنسانِ بالمعروفِ والمنكرِ، وهذا الانحطاطُ مُتدرِّجٌ على مراحلَ: الأولى : هي مرحلةُ تركِ الأمرِ بالمعروفِ.
و الثّانيةُ: هي مرحلةُ تركِ النّهيِ عنِ المنكرِ.
و الثّالثةُ : هي مرحلةُ الأمرِ بالمنكرِ.
و الرّابعةُ : هي مرحلةُ النّهيِ عنِ المعروفِ.
و الخامسةُ : هي مرحلةُ رؤيةِ المعروفِ مُنكراً.
و السّادسةُ : هي مرحلةُ رؤيةِ المنكرِ معروفاً.
الظّاهرُ من الرّواية أنّ المرحلتين الأخيرتين هما أكثرُ شرّاً من المراحل الأخرى، ولعلَّ ذلكَ بلحاظِ اختلالِ العقلِ والنّفسِ، واختلالِ قُدرةِ الإنسانِ على تقييمِ وتقويمِ الأشياء..
هاتان المرحلتان من أخطر ما قد يبتلي به الفردُ أو المجتمعُ، ولهذا فعلى كلِّ فرد أن يُحلّلَ نفسهُ ليعرفَ مدى الانقلابِ الذي يعيشَهُ في موازينهُ.
لأهمّيةِ الموضوعِ وخطورتهِ لن يُختزلَ في كلمةٍ واحدةٍ وأحاول استيعابه بالشكل الذي يُغطي الممكن من أبعاده، إن شاءَ اللهُ تعالى.
عوامل قلب الموازين الفكريّة : هناك عواملٌ مؤثّرةٌ في قلبِ الموازينِ الفكريّةِ في الفردِ والمجتمعِ، أُشير للبعضِ المهمّ منها: العامل الأوّل: البيئة الأسريّة والاجتماعية : إن عاشَ الإنسانُ في أُسرةٍ ومجتمعٍ يشيع فيهما المنكرات دون رادع لهذا الانتشار، ويُقصى فيهما المعروفُ دون رافضٍ لهذا الإقصاء، فسوفَ تَضعُفُ غرابةُ النّفسِ لذلكَ، بل تألفهُ وتأنسهُ حتّى يكونَ جُزْءاً من تركيبةِ الأسرةِ والمجتمعِ وعاداتهِ وثقافتهِ، وهذا انقلاب تدريجيٌّ من الإسلامِ إلى الجاهليّة، والأخطرُ هو أن تُنظر للتّصرفات الجاهلية على أنَّها الهدى، وللتعاليم الإسلاميّة على أنّها الجهل والتّخلّف والتّشدّد، ففي الشأن الأسري مثلاً: يُعتبرُ أنّ البرّ بالوالدينِ أسرٌ وقيدٌ، وعقِّهما حُرّيةٌ واستقلاليةٌ.
ويُعتبر الاقتصادُ في الإنفاقِ بُخلاً، بينما قد يُعدّ التّقتيرُ في الإنفاق على العيالِ تقنيناً للمالِ أو يُعدُّ التّبذيرُ في الإنفاقِ على الكماليّاتِ حضاريّة.
ويُعتبر حزمُ الوالدين ولينُهما في تربيتهما أولادَهما على العبادةِ الواجبة عليهم لله تعالى قساوة، مثلِ تربيتهما لهم على الصّلاةِ والصّيامِ، بينما لا مبالاتهما وإهمالهما لهما في ذلك رأفةٌ ورحمةٌ.
ويُعتبرُ اجتناب الإختلاط بين أفرادِ الأسرة المحارم عن بعضهم حال اجتماعهم في الجمعات أو الأعياد تخلّفٌ، ويُعتبر اختلاطُهم الذي قد يُوقعهم في المحرّم تقدُّمٌ.
وفي الشّأنِ الأسريّ يُعتبرُ المبدئيُّ معقدًا، والمتنازلُ عنِ المبادئِ مرنًا.
ويُعتبرُ الصّادقُ ساذجاً، والكاذبُ دبلوماسيًا.
ويُعتبرُ الأمينُ غبيّاً، والخائنُ ذَكيَّا.
ويُعتبرُ النّاصحُ فضوليّا، والمنافقُ أو المجاملُ في الباطلِ والمنكرِ مُقدِّراً ومُحِبّا.
نلحظ في هذه الأمثلة أنّه ليس هناك تركاً للمعروفِ وعملاً بالمنكرِ فقط، بل بالإضافة إلى ذلك: أنّ الأفعال المنحرفة والضّالة قد جُعلت ميزاناً يُقاس بها التّصرفاتُ والأفعالُ، ومن الطّبيعيِّ أنّ بيئةً أسريّةً أو اجتماعيةً من هذا القبيلِ ستفرضُ تأثيرها على من ينشأُ فيها.
العاملُ الثّانيّ: الخضوعُ للتّأثير الإعلامي الإبليسي: الإعلامُ الإبليسيُّ هو كلُّ صوتٍ أو صورةٍ أو حركةٍ تعمل على تحريف الحقائقِ ونشرِ الضّلالاتِ وخلقِ الفتنِ والعداواتِ بينَ النّاس، ويُزرِّقُ المنكراتِ ويُطبّعُها حتّى تكونَ مألوفةً ومقبولةً ومطلوبةً.
والإنسانُ حينَ يخضعُ لهذا الإعلامِ الباطلِ الفاسدِ سوفَ تتغيَّرُ نفسيَّتهُ وعواطِفهُ وأحاسِيسهُ، ويَتَبَدَّلُ تفكيرهُ وتصوّرهُ عنِ الأشياءِ، وينحرفُ في مفاهيمه وقناعاته، سيّما إذا كان المستهدَفُ جاهلاً بعقيدتهِ ودينهِ النّقيّتين، وكانَ التّضليلُ ونشرُ الفتِن والمنكراتِ بعناوينَ دينيّةٍ وإنسانيّةٍ وخداعٍ وخَفاءٍ، فالإعلامُ التّلفزيونيّ أو الإذاعيّ أو الصّحفيّ أو الإلكترونيّ، قد يقوم بطريقةٍ خفيّة تضليّليةٍ على تصويرِ الخيانةِ الوطنيّة للذين يوالون الدّينَ والمبادئَ والقيمَ الحقّةِ والعلماءَ الذين حثَّ الدّين على التّمسُّكِ بهم، ويُعطي وسامَ الولاءِ الوطنيِّ لمن يُساندُ الجائرَ الظّالمَ السّفيهَ.
إعلامٌ يُقدّمُ التّعاطفَ والإسنادَ للإسلامِ والمسلمينَ على أَنّهُ عمالةٌ، ويُقدمُ الوطنيَّ لمن يضعُ اليدَ في يدِ أعداءِ الإسلامِ والمسلمينَ ويمكّنَهُم من أراضي بلادِ الإسلامِ وأمنها ومجالهِا الجوّيِ واقتصادها.
إعلامٌ يُقدّمُ الوفاءَ بالمواثيقِ والعهودِ على أنّها سذاجةٌ، ونقْضها دهاءٌ وحنكةٌ.
إعلامٌ يُقدّمُ العدلَ على أنّه ضعفٌ، ويُقدمُ الظُّلمَ على أنّهُ حزمٌ وحمايةٌ أمنيّةٌ..
طبعاً ليسَ بعنوانِ العدلِ والظلمِ، بل بعناوينَ تضليليةٍ مقبولةٍ، فيصّورُ الكلمةَ المنبريّةَ الصّادقةَ على أنّها استلابٌ، ويُصوّرُ هيمنَتهُ على الكلمةِ المنبريّةِ تقنيناً وتنظيماً.
إعلامٌ يُقدّمُ الكلمةَ النّاصحةَ من العالِم على أنّها تحْريضٌ، واعتقالَه وتنكيلَه وتهديده بلا دليلٍ حِفاظًا على الأمنِ والاستقرارِ.
إعلامٌ يُقدّمُ إقامةَ فريضةِ الخمسِ -التي افترضها الله على عباده- تهديداً للإقتصاد، مع أن الشّرع الحنيف قد حَدَّد مصرفها، وهو معلوم وليس مجهولاً-، ويُقدّمُ تصوراً عن أموالِ الشّعبِ من النّفط والضّرائب التي لا يعلم أحد أين تذهب، وكيف تُصرف، تنميةً للإقتصاد، وعمارة للوطن.
الخطورةُ هنا ليس فقط في ممارسةِ المنكراتِ والظّلمِ وتركِ المعروفِ والعدلِ، وليس فقط في تصويرِ المنكرِ معروفاً والمعروفِ منكراً، بل في عدّ المنكر معروفاً، والمعروفِ منكراً، إذا انطلق من عقيدةٍ وقناعةٍ، ومن الطّبيعيّ أنّ بيئةً إعلاميةً مُضلّلةً من هذا القبيل، ستفرضُ تأثيرها على من يُصدِّقُها ولا يمتلكُ وعيًا أو بصيرةً أو قُدرةً على التَّحليلِ والرّبطِ بينَ الحقائقِ والأحداثِ.
العامل الثّالث: اتّباع الهوى ؛ معنى اتّباع الهوى، هو: أن يتّبعَ الإنسانُ رأيَهُ وليسَ دينهُ، فدينُه يقول شيئاً، وهواهُ يقولُ شيئاً مغايراً، لكنّه يتّبعُ قولَ هواه، فعَنِ الْمُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَ: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ ﴾ [3] ، يَعْنِي: مَنْ يَتَّخِذُ دِينَهُ رَأْيَهُ بِغَيْرِ هُدَى أَئِمَّةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى » [4] .
الهوى ليس -فقط- من يدفعُ الإنسانَ إلى الفعلِ المخالفِ للدّينِ، بل يُزيّنُ لهُ المخالفة ويُثير له من الأعذار والتّبريرات التي تُقنعه بالشّكل الذي تجعل ضميره خامداً ساكناً لا يشعر بالذّنب على ما فعل، فيكون المطيعُ للهوى كالصُّم البُكم، فَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَنَّهُ قَالَ: « إِنَّكَ إِنْ أَطَعْتَ هَوَاكَ أَصَمَّكَ وأَعْمَاكَ وأَفْسَدَ مُنْقَلَبَكَ وأَرْدَاكَ» [5] ..
الممارسةُ المستمرّةُ في خلقِ التّبريرات والأعذارِ من شأنهِ قلبَها إلى قناعاتٍ مُتبناةٍ.
من الواضحات التي لا تحتاج إلى إقامة دليل، هو وجود اختلافٍ وصراعٍ بين الحقّ والباطلِ والمعروفِ والمنكرِ والهدى والضّلالِ والعلمِ والجهلِ، ومن المستحيلات اتّفاقُ الجميعِ على الحقِّ والمعروفِ والهدى والعلمِ، لكن مطلوبٌ من الإنسانِ دفعَ الضّلالِ والجهلِ والعمى والباطلِ والمنكرِ، ليسودَ العلمُ والهدى والحقُّ والمعروفُ بقدر الإمكان.
التّكليفُ العامّ هو أن يعْرفَ المؤمنُ ويتبنّى ويُعرّفَ العلمَ والهدى والحقَّ والمعروفَ، حتّى يُقيمَ الحجّةَ ويدحضَ الباطلَ بالحقِ، والضّلالَ بالهدى، والجهلَ بالعلمِ، والمنكرَ بالمعروفِ، والظّلمَ بالعدلِ، فمن كان باحثاً عن الصّواب كان البيانُ طريقاً وسبباً لوصولهِ إليهِ، ومن عرفَ وأبى فقد كابَر وتكبّر، وعلى المحقِّ أن يتصدّى لبيانِ ضلالهِ وإضلالهِ وانحرافهِ وتحريفهِ وكيدِه ومكائِده وجرمهِ وإجرامهِ، بما تُمليه عليه ضوابطُ الأمرِ بالمعروفِ والنّهيِ عن المنكر..
الهوى والشّيطان لن يجعلا المكابرَ يَشعرُ بمكابرتهِ بل سيزيّنان لهُ الباطلَ والمنكرَ والضّلالَ، وتوضعُ المعاذيرُ الباطلةُ المزَيَّنَةُ بزينةِ الحقِّ حتّى لا يشْعُرُ المكابرُ بمكابرتهِ ويُرضي نفسَهُ، فتجدْه رافعاً لشعاراتِ الوحدِة والأمنِ وحُريّةِ التّعبيرِ والأديانِ، وكلِّ شعارٍ إنسانيّ جميلٍ، بينما الأفعالُ التي تُمارسُ على أرضِ الواقعِ هي نقيض تِلكَ الشّعاراتِ.
وفق شعاراتِ الحقِّ والمعروفِ تُحوّلُ الحياةُ إلى منكراتٍ لأنّه أُريدَ لهذه الشّعارات النّبيلةِ أن تكون مُجرّدَ واجهةٍ للخداعِ.
فمنكرُ الدّخولِ إلى البيوت وانتهاكِ الحرماتِ فيها، وسرقةِ الأموالِ منها، يُصبح وفق أعذار حفظ الأمن معروفاً.
ومنكرُ التّعذيبِ والتّحقيرِ وتوهينِ الكرماءِ الشّرفاءِ، يُصبح معروفاً وفقَ أعذارِ الخيانة.
منكرُ هدمِ المساجد التي نشأت قبل نشوء الحكم، يُصبحُ معروفاً وفقَ أعذارِ افتقارَها لوثائقِ الاثبات.
منكرُ الهيمنةِ على منابرِ الجمعةِ والجماعاتِ والحسينياتِ لإخراس صوتِ الدّين والهدى، يُصبح معروفاً وفقَ أعذارِ التّحريضِ والإساءةِ للرموزِ.
الهوى إلهٌ كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [6] ، الهوى إن صار إلهاً معبوداً فستتنوعُ عبادته بحسب المصالح، وفي كلّ اتباعٍ خضوعٌ لغير الله وشركٌ وضلالٌ، وإنّ الصّراع الدّائر بين الإنسان ونفسه وبين الشّعوب وحكّامها يدور بين حاكمية الله تعالى وحاكميّة الهوى، فالشّعب يُريد أن تكون الولاية للفقهاء الذين يحكمون -وفق اختصاصهم- بحكم الله تعالى، والحكوماتُ الوضعيّةُ تُريدُ أن تكونَ الولايةُ لها من دونِ الله تعالى، والشّعوبُ مسؤولةٌ اختياراً في عدمِ تمكينِ هذه الحكومات، وعليها بذلُ الجهدِ الممكن للحؤول بين ذلك.
إنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فريضتان واجبتان كوجوب فريضة الصّلاة والصيام والحج، غير أنّ لكلِّ فريضةٍ شروطاً إذا توفّرت وجبت، فإذا قام بها صار مطيعاً وإلا كان عاصياً مُذنباً، فعلى كلّ مؤمنٍ مكلّف أن يتعرّف على شروط فريضتي الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وما إذا كانا واجبين عليه في شأن من الشّؤون الشّخصيّة أو الأسريّة أو الاجتماعية أو السّياسيّة أو غير ذلك.
ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.
أرتحال المرجع الزّنجانيّ : من جهة أُخرى قد ارتحل إلى الرّفيق الأعلى قبل أيّام آيةُ الله العظمى السّيدُ موسى الشّبيريُّ الزّنجانيُّ، وبهذه المناسبة أرفع أحرّ التعازي لمقام ولي الله الاعظم صاحب الأمر (روحي وارواح العالمين لمقدمه الفداء) وللإمام الخامنائي (دام ظلّه) والمراجع والفقهاء والقادة والأمة المؤمنة، فقد كان قامةً عُليا ومرجعاً من مراجع أتباع آل البيت (عليهم السّلام)، وإماماً من أئمة الجماعة في ضريح فاطمة المعصومة (عليها السّلام) لعشرات من السّنين، وصاحب مسيرة علميّة ثريّة دؤوبة، وقُدوةً لأهل العلم في الورع والخلق والإجتهاد، وقُدوة في الجدّ لنشر علوم محمد وآله (صلى الله عليهم اجمعين) وتربية الأساتذة والفقهاء.
أسأل الله تعالى أن يتغمد مرجعنا الكبير بواسع رحمته ويرفع درجته ومقامه بلطفه وفضله.
موقف العار البحريني : أخيراً، قد أشارت المصادر الإعلاميّة أنّ خطاب نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصّهيوني المحتلّ في الأمم المتحدة الخميس الماضي، قد شهد مع بدء كلمته مغادرة عشرات المندوبين عن القاعة احتجاجا على جرائمه، وفي المنقول عن التّقارير الصهيونيّة أنّ ممثلي 77 دولة -منها ممثّلي دول عربيّة- قد غاب عن الخطاب، إلا أنّ ممثّل حكومة البخرين آثر أن يبقى بكلّ إصرار وعدم حياء داعماً للكيان الصّهيونيّ في ظلّ نزيف الدّماء الجاري على أرض فلسطين المسلمة المحتلّة.
حضورُ ممثّل الحكم الخليفي خطاب قاتل الأطفال موقفٌ سياسيّ مخزٍ لا يمثل أحرار شعب البحرين بشيعته وسنّته، ولا يعبر عن ضمير المسيرات التي رفعت علم فلسطين في قرى ومدن البحرين رافضة التّطبيع والسّلام مع عدوّ تلطخت يداه بدماء الأطفال والأبرياء العزّل.
إن العلاقات مع هذا الكيان محرّمة شرعاً ومرفوضة شعبيّا وساقطة أخلاقيا، وما بُني على باطلٍ فهو باطل، وأنّ كلّ الاتفاقيات الموقّعة في الغرف المغلقة سيسحقها الشّعب بإرادته طال الزّمان أو قصر، وسيبقى سجلّ التاريخ شاهداً على أنّ دولاً كثيرة جدّاً من العالم قد وقفت مع المظلومين في فلسطين إلاّ أنّ ممثّلَ الحكومةِ في البحرينِ قد وقف مع الظّالمِ والباطلِ وأنّ شعبَ البحرين قد وقف حيث وقف الشّرفاءُ مع فلسطين، ووقفَ مع الحقِّ نصرةً لدمِ المظلومين.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكُم ولِكُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ ومُسْلِمٍ ومُسْلِمَة.
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً كَثِيراً كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ. [1] .
الكهف: 103-104.
[2] .
الكافي للكليني -دار الحديث-: 9 / 493 ح8332.
[3] .
القصص: 4.
[4] .
بصائر الدّرجات في فضائل آل محمد صلى الله عليهم للصّفار: 1 / 13 ب8 ح1.
[5] .
عيزن الحكم والمواعظ لليثي: 172 ح3594.
[6] .
الجاثية: 23.





