العنوان: كلمة انقلاب الموازين (2) / التاريخ: الجمعة 19 ربيع الاخر 1448 ه – 02 أكتوبر 2026م / المحاضر: الشيخ عادل الشّعلة

السّلامُ عَلَيْكُم ورحمةُ اللهِ وبركَاتهُ.. أَعُوذُ بِاللَّهِ‏ السَّمِيعِ‏ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.‏. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾..

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ‏ ﴿السَّماواتِ الْعُلى‏ الرَّحْمنِ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى﴾‏. أَحْمَدُهُ عَلَى حُسْنِ الْبَلَاءِ وَتَظَاهُرِ النَّعْمَاءِ، حَمْداً كَثِيراً بُكْرَةً وَأَصِيلًا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَقَدْ غَوَى. أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالصَّوَابِ وَالْهُدَى وأَظْهَرَهُ‏ ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾‏ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصْحَابِهِ الْمُنْتَجَبِينَ.

قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾[1].

لا زال الكلامُ عنِ انقلابِ موازينِ رُؤيةِ الإنسانِ الفِكْرِيّةِ، وقد تـمَّ التّعرُّضُ -في الكلمةِ السّابقةِ- إلى ثلاثةِ عواملَ من العواملِ التي تُسبّبُ في انقلابِ الموازينِ التي تجعلُ الإنسان يرى المعروفَ مُنكراً، والمنكر معروفاً، وهي: عاملُ البيئةِ الأسريّة والاجتماعيّة، وعاملُ التّأثيرِ الإعلاميِّ الإبليسيِّ، وعاملُ الهوى:

العاملُ الرّابعُ: ارتكابُ الذّنوبِ: عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) -في حديثٍ عنِ العقلِ وأنّ الْمَوْلُودَ إِذَا بَلَغَ-، قَالَ: «فَيَقَعُ فِي قَلْبِ هَذَا الْإِنْسَانِ نُورٌ، فَيَفْهَمُ‏ الْفَرِيضَةَ وَالسُّنَّةَ، وَالْجَيِّدَ وَالرَّدِيَّ، أَلَا وَمَثَلُ الْعَقْلِ فِي الْقَلْبِ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِي وَسَطِ الْبَيْتِ»[2].. بهذا السّراجِ يُبصرُ الحقَّ والباطلَ، فَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه)‏ أَنَّهُ قَالَ: «الْعَقْلُ‏ نُورٌ فِي الْقَلْبِ يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ والْبَاطِلِ»[3].. الذّنوبُ من شأنها أن تُعمي القلبَ، فلا يَعودُ يُبصرَ الصَّوابَ والحقائقَ والمعروفَ، ولا يعودُ يرى المنكرَ معروفاً والمعروفَ مُنْكراً.

في بيان كيفيّةِ تأثير الذّنوبِ على قلبِ الموازينِ يُمكن ذكر الوجوه التّاليةِ:

الوجهُ الأوّلُ: أنّ الذّنوبَ مُفسداتٌ للقلبِ، وإذا فسدَ القلبُ فسدَ فهْمُهُ وإدراكُهُ للصَّوابِ، وفسادُ القلبِ من الذّنبِ فقد نبّهتْ عليهِ النُّصُوصُ الشّريفةِ:

منها:عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: «كَانَ أَبِي (عَلَيْهِ السَّلَامُ‏) يَقُولُ: مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ أَفْسَدَ لِلْقَلْبِ مِنْ خَطِيئَةٍ؛ إِنَّ الْقَلْبَ لَيُوَاقِعُ الْخَطِيئَةَ، فَمَا تَزَالُ‏ بِهِ حَتّى‏ تَغْلِبَ عَلَيْهِ، فَيُصَيَّرَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ»[4]..

والعاصي ليس عابداً لأنّه استعمل جوارحه وإمكاناته في المعاصي، وللمعاصي لذّة وسكرة، فَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه)‏ أَنَّهُ قَالَ -في حديثٍ-: «احْذَرْ سُكْرَ الْخَطِيئَةِ فَإِنَّ لِلْخَطِيئَةِ سُكْراً كَسُكْرِ الشَّرَابِ، بَلْ هِيَ أَشَدُّ سُكْراً مِنْهُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى‏: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾‏»[5]. ولكلّ خطيئة سكر يتناسب مع نوع الخطيئة، والسّكر مذهب لعقل الإنسان.. «إنّ من أذنب ذنباً ولم يقلع عنه استجره إلى معاودة مثله والانهماك فيه وارتكاب ما هو أكبر منه حتّى تستولي عليه الذنوب وتأخذ بمجامع قلبه فيصير بطبعه مائلًا إلى المعاصي مستحسناً إياها معتقداً أن لا لذة سواها مبغضاً لمن يمنعه عنها مكذباً لمن ينصحه فيها كما قال اللَّه تعالى:‏ ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾[6]»[7].

الوجه الثّاني: أنّ بعض الذّنوب لها تأثير خاص على عقل الإنسان، والْكِبْرُ من تلك الذّنوب، فَعَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلامُ) قَالَ:  «مَا دَخَلَ قَلْبَ أَحَدٍ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْكِبْرِ إِلَّا نَقَصَ‏ مِنْ‏ عَقْلِهِ‏ مِثْلَ مَا دَخَلَهُ مِنْ ذَلِكَ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ»[8].. خطيئة الإستكبار والتكبّر لها سكرة رفض الاعتراف بالخطأ، فيزداد تمسكّ المتكبّر بخطئه حتى يراه حقًا، وهذا قد تجلّى في إبليس الذي انقلبت عنده الموازين، فرأى بسبب تكبّره أنّه أفضل من آدم (عليه السّلام)، فسبحانه ﴿قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾[9].

العامل الخامس: حب الدنيا: من الواضحات إلى أنّ من مال إلى الشَّهواتِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنْ جِنْسٍ ومَالٍ لا لأجل الاستعانة بها على الآخرةِ، فلا يطمعنّ في صفاء ذِهْنُهُ وقَلْبُهُ.. لأنّ منْ أحبَّ الدُّنْيا كانت دُنْيَاهُ ومَصَالِحهُ هِيَ مِعْيَارُ حرَكَتِهِ وسُكُونِهِ ورفضِهِ وقبوله وليس الحقّ والدّين، وعند ذلك ستنقلبُ الموازين، فعَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إِلى‏ بَعْضِ أَصْحَابِهِ يَعِظُهُ‏ -وَمِمَّا جَاءَ في الكِتابِ- فَارْفُضِ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ حُبَ‏ الدُّنْيَا يُعْمِي‏ وَيُصِمُّ وَيُبْكِمُ‏ وَيُذِلُّ الرِّقَابَ»[10].. هنا إشارةٌ إلى أنّ حبّ الدّنيا يُعمي فيُحتمل تارةً أنَّهُ يُعْمِي بَصِيرةَ القلبِ، فإنّ حُبّهَا مَانعٌ مِنْ رُؤيةِ القلبِ للحقِّ وأسرارهِ. وتارة أُخرى يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَمَى البَصَرِ، فَإِنَّ حُبَّها مانعٌ مِنْ إِدْرَاكِ البَصَرِ لتقلبات الدّنيا على أهلها، فكم من وضيع أصبح وجيها وكم من وجيه أصبح وضيعا، وكم فقير أصبح غنيّا وكم من غنيّ أصبح فقيراً، وكم من ماشٍ على ظهرها فأصبح مدفوناً في باطنها.. حبّ الدّنيا يمنع من رؤية هذه الأحوال والنّوائب الدّالة على هوانها وفراقها، وإذا متعه من رؤية ذلك منعه من سماع نداء الدّاعى إلى فراقها، فيقرأ القرآن ويسمعه لكن لا يسمعُ آيات الله المذكّرة بزوالها وفنائها، ولا يسمعُ أوامر الله ونواهيه وتقبيحه تعالى للمنكراتِ لأنَّ كلَّ ذلكَ لا ينسجم مع ميوله الدّنيويّة وحبّه للشّهوات.

وحبُّ الدّنيا مع كلّ ذلك موجبٌ لذلِّ الرِّقاب إذ من أجل حبّها وتحصيلها وحفظها يخضع لأهل الجور والطّغيان، هو يخضع لأوامر الجائرين ويُساهم في ترسيخ هيمنهتم على الدّين وتحريفه حرصاً على الدّنيا نفسا أو مالا أو عيالاً أو وظيفة، وقد يتخلّى عن بعض أنواع حبّ الدّنيا لكن ليس التّخلي عن النّوع الذي يفرض التّكليف الشّرعي التّخلّي عنه، ويُمكن التّمثيل بالظرف الذي اقتضى التّخلي عن النّفس في كربلاء، فهناك أنماط من البشر، وأكتفي بذكر نمطين:

النّمط الأوّل: ابن الحرّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ: «سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي عَنْ مَقْتَلِ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ). فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ -فيما قال-: ثُمَّ سَارَ الْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلامُ) حَتَّى نَزَلَ الْقُطْقُطَانِيَّةَ فَنَظَرَ إِلَى فُسْطَاطٍ مَضْرُوبٍ، فَقَالَ: لِمَنْ هَذَا الْفُسْطَاطُ؟ فَقِيلَ: لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُرِّ الْحَنَفِيِّ [الْجُعْفِيِ‏]. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلامُ)، فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّكَ مُذْنِبٌ‏ خَاطِئٌ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ آخِذُكَ بِمَا أَنْتَ صَانِعٌ، إِنْ لَمْ تَتُبْ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سَاعَتِكَ هَذِهِ فَتَنْصُرَنِي، وَيَكُونَ جَدِّي شَفِيعَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. فَقَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ نَصَرْتُكَ لَكُنْتُ‏ أَوَّلَ‏ مَقْتُولٍ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَلَكِنَّ هَذَا فَرَسِي، خُذْهُ إِلَيْكَ، فَوَ اللَّهِ مَا رَكِبْتُهُ قَطُّ وَأَنَا أَرُومُ شَيْئاً إِلَّا بَلَغْتُهُ، وَلَا أَرَادَنِي أَحَدٌ إِلَّا نَجَوْتُ عَلَيْهِ، فَدُونَكَ فَخُذْهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ الْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلامُ) بِوَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيكَ، وَلَا فِي فَرَسِكَ، ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾[11]، وَلَكِنْ فِرَّ فَلَا لَنَا وَلَا عَلَيْنَا، فَإِنَّهُ مَنْ سَمِعَ وَاعِيَتَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ يُجِبْنَا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ‏»[12].

هنا ابنُ الحرّ قدّم ممتلكاته، ومن الواضح من وصفه لممتلكاته أنّها كانت لها موقعاً في قلبه، لكنّ ليس هو هذا تكليفه وفق تشخيص إمام زمانه، وإنّما تكليفُهُ أن يُقدّم نفسه لكنّ حبّ الدّنيا أعماه فبخل بنفسه عن دينه.  

النّمط الثّاني: أبناء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليهم السّلام): رُوي:"أنّ شِمْراً «وَقَفَ عَلَى أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) فَقَالَ: أَيْنَ بَنُو أُخْتِنَا؟ فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ وَجَعْفَرٌ وَعُثْمَانُ بَنُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلامُ). فَقَالُوا: مَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ: أَنْتُمْ يَا بَنِي أُخْتِي آمِنُونَ. فَقَالَتْ لَهُ الْفِتْيَةُ: لَعَنَكَ اللَّهُ وَلَعَنَ‏ أَمَانَكَ،‏ أَتُؤْمِنُنَا وَابْنُ رَسُولِ اللَّهِ لَا أَمَانَ لَهُ!»"[13].

هذا النّمط الذي أدّى تكليفه وفق تشخيص إمام زمانه، فزهد في الدّنيا بتقديم نفسه في نصرة الدّين.

ذكرى شهادة السّيد نصر الله:

إننّا نعيش الذّكرى الثّانية لاستشهاد شخصيّات سائرة على خطى النّمط الثّاني، أعني الشّهيدَ السّعيدَ السّيدَ حسن نصرَ الله وأخاه السّيد صفيّ الدّين ومن معهما من القادة والمجاهدين، كبارٌ أباةٌ انتقلوا إلى الرّفيق الأعلى شهداء على أيدي الصّهيونيةِ العالميّةِ، شهادةً قلّ نظيرها كخاتمةٍ لمسيرة جهاديّةٍ مُنتصرةٍ دائماً لكونها مسيرةَ أداءٍ للتّكليف بتشخيص الوليّيّن الفقيهِين الرّاحلين الّلذينِ جعلهما إمامُ زماننا من النّواب العامّين في عصر غيبته.. نعيش ذكرى مفخرةٍ من مفاخر الأمّة المؤمنة والمسلمة والحرّة في إيمانه وفقهه ووعيه وبصيرته وشجاعته وإبائه وعزّته.. نعيش ذكرى أبرزِ مصاديق المهتمّينَ بأمورِ المسلمين، السّيدِ المجاهدِ الأمينِ الذي كان حاضراً مع همومِ كلِّ جراحات الأمّةِ النّازفةِ في فلسطينَ والعراقِ واليمنِ والبحرينِ وغيرها.. نعيش ذكرى الذي قال: "نحنُ لا نُهزم، عند ما ننتصرُ ننتصرُ، وعندما نستشهدُ ننتصرُ"، فولّد في الأمّة حركةً دائبةَ السّعي لتحقيق انتصار الحقِّ على الباطل، على أرضيةِ الإستعدادِ لبذلِ الغالي والنّفيس من أجل الدّينِ والعدالة.. أسأل الله تعالى أن يجعل هذه الذّكرى بما تحمل من عطاءاتٍ حيّةً في الأجيال المتلاحقة، وأن يرفع الشّهداءَ السُّعدَاءَ إلى الدّرجاتِ العالياتِ عنده إنّه وليّ الفضلِ والنّعمِ.

توجيه الشّيخ القائد للشّعوب:

قبل بضعة أيامٍ حثّ آيةُ اللهِ الشّيخُ عيسى أحمد قاسم (حفظه الله تعالى) جميعَ الشّعوبِ الْمُهدّدة بالهيمنة الإمريكيّة أن تقول للأنظمة الرّسميّة الحاكمة: لا لجعل أمريكا ربّا من دون الله تعالى.. لا لمدّه بأسباب الرّبوبيّة الكاذبة من الموالاة وبذل المال والنّفس.. لا لمن يُريد إذلالَ الجميع وسحقَ كلِّ إرادةٍ وإسقاطَ كلِّ عزيزٍ.

ونبّه (حفظه الله تعالى) على أنّ الشّعوب تُجْرِمُ في حقّ نفسها إن لم تقل كلمتها الرافضة لجعل أمريكا إلهاً أو تأخرت في كلمتها هذه عن وقتها[14].

وعلى ضوء هذا التوجيه يُمكن القول أنّه على كلّ من يقدر أن يرفعَ الْصْوَتَ عالياً، فليقل: لا لاستمراريّةِ تحالفِ الْحُكْمِ في البَحرينِ مع الكيان الصّهيونيّ الإجرامي، لا لتمكينه من إضعاف الأمّةِ الإسلاميّةِ وسلبه دينَها وأمنَها وأموَالها.

إنّ كلّ شعبٍ يختلفُ في ظروفه وإمكانيّاته، غير أنّ الشّعب حين يفكّر ويخطط ويسعى لمعرفة وظيفته وفق ضوابط الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فسوف يقول كلمته الشّجاعة في نُصرةٍ الحقّ والعدلِ والدّينِ.

إنّ على كلّ مؤمن -وفي كلِّ بُقعةٍ- أن لا يُمكّن الظّالمين من المنكر والباطل مهما أمكنه ذلك بحسب وظيفته الشّرعية، فيأبى أن يكونَ ظهراً يُركب من أجل تمكين المنكر أو ضرعاً يُحلب من أجل تمكين الباطل، فَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ  (عَلَيْهِ السَّلامُ) أنّهُ قَالَ:‏ «كُنْ‏ فِي‏ الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ‏، لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلَا ضَرْعٌ فَيُحْلَب‏»[15]..

تشييع الشّهيد الماحوزي:

أخيراً، قد شيّعتِ الضّاحيةُ الجنوبيّةُ الأربعاءَ الماضيّ الشّيخَ علي الماحوزيَّ الذي ارتقى شهيداً على يد الكيان الصّهيوني الغادر، غادر الدّنيا مضرجاً بدمائه على طريق الحقّ والإيمان وفي سبيل الخير والمعروف، فاللهَ أسألُ أن يرحمه ويرفع درجته ويتقبّل هجرتَهُ وغربتَهُ وشهادَتَهُ بأحسنِ قبولهِ إنّه ولي الفضل والنّعم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات.


[1]. الكهف: 103-104.

[2]. علل الشّرائع للصّدوق: ‏1 / 98 ب86 ح1.

[3]. إرشاد القلوب إلى الصّواب للدّيلمي: ‏1 / 198.

[4]. الكافي للكلينيّ -دار الحديث-: ‏3 / 667 ح2411.

[5]. مكارم الأخلاق للطبرسي: 453.

[6]. الروم: 10.

[7]. تفسير الصافي للفيض الكاشاني: ‏1 / 149.

[8]. كشف الغمة في معرفة الأئمة للإربلّي: ‏2 / 132.

[9]. الأعراف: 12.

[10]. الكافي للكلينيّ -دار الحديث-: ‏3 / 351 ح1915.

[11].الكهف: 51.

[12]. الأمالي للصّدوق: 154ح1.

[13]. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد للمفيد: ‏2 / 89.

[14]. رابط الكلمة: https://www.instagram.com/p/Dd4YWnaCCJ9

[15]. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد للمفيد: ‏2 / 89.