بثت الحكومة البحرينية خلال الأيام القليلة الماضية حزمة من البيانات الاقتصادية بشكل انتقائي للتعتيم على واقع رفع أسعار البنزين والكهرباء والماء والغاز، في تضليل إحصائي كبير للتغطية على واقع اتّساع رقعة الفقر وانعدام الأمن المعيشي وتآكل لقمة العيش.

وفي خطوة بدا أنها هجمة إحصائية مُنسقة، اختارت الجهات الحكومية بث بياناتها الاقتصادية دفعة واحدة، في محاولة لرسم واقع وردي للمواطن البحريني يعقب قرارات رفع الأسعار المريرة.

وبينما ركزت الماكينة الإعلامية الرسمية على إبراز رقم 900 دينار كمتوسط لدخل البحرينيين، سقطت من حساباتها عمداً أرقام رسمية أخرى تكشف عمق الأزمة، حيث يقبع أكثر من 36 ألف مواطن في دائرة الرواتب المتدنية (بين 200 و399 ديناراً)، وهو ما يمثّل 34% من البحرينيين.

هذه المسافة الصادمة بين الدعاية والواقع، تتقاطع بوضوح مع تقارير اللجنة الاقتصادية الأممية "الإسكوا" التي جاءت أرقامها لتفنّد المزاعم الرسمية، حيث أكدت في تقاريرها لعام 2025 وجود 54 ألفاً من المواطنين يعيشون فعلياً تحت خط الفقر، معتبرةً كلّ من يتقاضى راتباً يقلّ عن 490 ديناراً مندرجاً ضمن إحصائيتها.

إلى جانب ذلك، تحدثت البيانات الاقتصادية عن وجود تعاف ونمو اقتصادي كبير، دون أن تستعرض انهيار المالية العامة وانقضاض الحكومة على جيوب المواطنين، ولا خطط مواجهة الدين العام والعجز واعتماد الميزانية على الدعم الخليجي، في ظل قراءات اقتصادية سلبية أشارت لها وكالات التصنيف والتقارير الخارجية والدولية.

ولا يقتصر المشهد الإعلامي على التعتيم الحكومي، حيث تعيش الصحف وكتاب الأعمدة غيبوبة كاملة وانفصال كبير عن الواقع، فبينما لاقت الإجراءات الحكومية برفع الأسعار وفرض الجبايات الجديدة استنكاراً شديداً من الرأي العام، سَطَّر رؤساء تحرير الصحف المحلية افتتاحيات احتفائية بهذه الإجراءات، وكذلك فعل بعض كتّاب الأعمدة، دون أن تنقل هذه الصحف الصورة الحقيقية، في دليل آخر على فقدانها للاستقلالية، وتحوّلها لوسيلة في يد السلطة التنفيذية.