يُحيي العالم "اليوم الدولي للتعايش السلمي" كمناسبة لتعزيز التسامح والوئام، وهي المناسبة التي أقرتها الأمم المتحدة بناءً على مبادرة من السلطة البحرينية، إلا أن ذلك يسلط الضوء على مفارقة حادة في البحرين، حيث تُستخدم المبادرات الدولية لتزييف الواقع الداخلي الخانق، في ظل هيمنة الاستبداد الأسود وانغلاق الأفق السياسي.

ويستمر تغييب 12 شخصية سياسية وعلمائية من قادة المعارضة خلف القضبان منذ عقد ونصف، بينهم أمين عام جمعية الوفاق الشيخ علي سلمان وعدد من الرموز الذين قادوا الحراك السلمي في عام 2011، في عنوان صارخ ودائم على سياسات الانتقام التي تنتهجها السلطة ضد المطالبين بالتحول الديمقراطي، الأمر الذي يجعل من شعارات التعايش مجرد أكذوبة كبرى يُراد التعمية من خلالها على الأزمة.

إلى جانب ذلك، لا يزال العشرات من المواطنين يواجهون تداعيات إسقاط جنسياتهم لأسباب تتعلق بتعبيرهم عن آرائهم السياسية ومعارضتهم لسياسات الحكم، بينهم عددٌ من المرجعيات الدينية والعلماء الكبار، مثل آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم، وآية الله الشيخ حسين النجاتي، وآية الله الشيخ محمد سند، في استهداف مباشر لمكوّن ديني واسع، واستخدام حقّ الجنسية كسلاح للتنكيل والانتقام وتصفية الحسابات وإعدام المواطنة.

وتتواصل سياسة التضييق على الحريات الدينية عبر منع إقامة أكبر صلاة جمعة للمواطنين الشيعة منذ أكثر من عام، وذلك على خلفية التضامن الشعبي مع غزة ولبنان ضد العدوان الصهيوني، حيث يعيد هذا الحظر للأذهان منعاً سابقاً استمر لست سنوات (2016-2022)، مما يؤكد أن المنع بات أداة سياسية متكررة تستخدمها السلطة لمعاقبة المواطنين على مواقفهم السياسية والعقائدية.

وتجهز السلطة على العمل السياسي المنظم عبر حلّ وإغلاق كبرى الجمعيات المعارضة مثل "الوفاق" و"وعد" و"أمل"، بالتزامن مع سن "قوانين العزل السياسي" التي تقصي شريحة واسعة من المواطنين عن العمل المدني والسياسي، مع استغلال المنظومة القضائية كعصا غليظة للترهيب وملاحقة الرأي الحر، ما حول الساحة إلى نموذج للإقصاء والتهميش والتعسف السياسي.

ويفضح اليوم الدولي للتعايش السلمي هذا الواقع المتردّي في البحرين، كاشفاً عن هوّة سحيقة بين ما تروّج له السلطة في أروقة الأمم المتحدة، وما يرزح تحته المواطنون من سياسات قمعية واستبدادية، فبينما تُقدَّم المبادرات الدبلوماسية كواجهة حضارية، تظل السجون، والمنابر المحاصرة، والقوانين الإقصائية، هي الشواهد الحقيقية على أزمة بنيوية في التعايش الداخلي، ما يجعل من هذه المناسبة السنوية فرصة لا للاحتفال، بل لإدانة الاستبداد وتذكير المجتمع الدولي بالانتهاكات الصارخة.