جاءت معطيات الأشهر الأخيرة في البحرين لتؤكد تصاعد وتيرة إبطال الأدوات المطلبية السلمية، ضمن استراتيجية رسمية تستهدف تفريغ الحراك المدني من فاعليته. فمنذ عقود، انتهجت السلطات سياسة فوقية في التعاطي مع مطالب الشارع، فبعد أن عمدت إلى تجميد القنوات النيابية والنقابية وتحويلها إلى هياكل شكلية، زادت من تكريس حالة اليأس لدى المواطن عبر تجاهل العرائض والاعتصامات، وسط إغلاق تام لآفاق الحوار الاجتماعي والسياسي.
ويأتي ملف العاطلين في صدارة الشواهد على هذه السياسات، حيث منعت السلطات الأمنية عدداً غفيراً منهم من ممارسة حقهم في الاعتصام السلمي أمام مبنى وزارة العمل، ثم لاحقتهم بعد ذلك في أماكن أخرى. وبدلاً من استيعاب هذه الفئة وحلحلة ملفها عبر قنوات تواصل صحية، استخدمت السلطة أجهزتها الأمنية للتعاطي معهم بقبضة مشددة، الأمر الذي يؤكد هيمنة أدوات القمع والإخضاع على التعاطي الحكومي.
وعلى الصعيد نفسه، يسلط ملف المعتقل السابق محمد السنكيس الضوء على سياسة إفراغ الصوت المطلبي من جدواه. فمنذ عام كامل، يواصل السنكيس اعتصامه للمطالبة بحقه الطبيعي في العودة إلى العمل، بعد أن فُصل تعسفياً من وزارة الأشغال على خلفية إدانته في قضايا سياسية تعود لحراك 2011، في ظل قناعة تترسخ يوماً بعد آخر بوجود حظر غير معلن يحرم المعتقلين السابقين من حقوقهم الأساسية، وجعل "الولاء المطلق" شرطاً مسبقاً للحصول على الوظيفة العامة.
إلى جانب ذلك، يواصل المعتقلون السابقون المحرومون من حقوقهم الإسكانية رفع نبرة مطالبهم منذ أكثر من عام، احتجاجاً على تجميد طلباتهم الإسكانية وإيقاف علاوة السكن عن عوائلهم قسراً طوال فترة الاعتقال. ورغم مشروعية وبساطة هذا الاستحقاق المعيشي، إلا أن التجاهل الحكومي الممنهج لا يزال سيد المشهد، في سعيٍ واضح لتحويل هذه الملفات الإنسانية إلى قضايا عالقة بلا أفق!
في ذات السياق، اصطدمت آمال المئات من منتسبي "برنامج خطوة" ممن فقدوا رواتبهم التقاعدية بجدار التعنت الرسمي، فبعد أشهر طويلة من الاعتصام المتواصل أمام مقر هيئة التأمينات الاجتماعية، وجدوا صوتهم يتلاشى في الهواء دون حلحلة ملفهم من منظور إنساني أو قانوني منصف، حيث أخفق المسؤولون في امتصاص غضب المتضررين دون تقديم حلول ملموسة.
وتختزل هذه القضايا بمجملها واقعاً مأزوماً، إذ تذهب السياسات الرسمية إلى الإبطال الممنهج لكل أداة مطلبية سلمية، وهي سياسات لا تعود للفترات المتأخرة، وإنما درج عليها التعاطي الحكومي منذ عقود، مما يشير إلى رسالة واضحة مفادها أن السلطة قد أحكمت إغلاق كافة منافذ التعبير والمطالبة، دون النظر في عواقب هذه السياسات التي تعمق الشرخ، وتزيد من الاحتقان وفقدان الثقة في الحكومة.





