في قرارات تعود بالدولة إلى عصر ما قبل الدولة الحديثة، أي حكم المشيخة وقبضة الاستبداد، مرّرت السلطة في البحرين عبر مجلس النواب تعديلاً على المادة رقم (7) من قانون السلطة القضائية يخصص مسائل الجنسية لـ"أعمال السيادة" ولا يخضع لرقابة القضاء، لتسارع قبل إقرار التعديل بسلب جنسية 69 مواطناً من دون مستندات قانونية أو أدلة مادية.
وجاءت التعديلات القراقوشية لتغييب الرقابة القضائية لتعني إلغاء مبدأ سيادة القانون والدستور، وفتح الطريق نحو قرارات تصدر بمزاج الحاكم والجهات الأمنية، حتى لو كانت مأخوذة بالظنّة والشبهة كما في سلب جنسيات المواطنين الأخيرة التي جاءت من دون اجتياز مراحل التحقيق والتقاضي، وهي قرارات مضروبة دستورياً وقانونياً وشرعياً، حيث الأصل في القاعدة القانونية هو براءة المتهم حتى إثبات إدانته، وحيث اليقين لا يزول بالشك، وتُدرء الحدود بالشبهات.
وتحوّل هذه القرارات التي تلغي حقّ التقاضي حين سلب الجنسيات، الدولة إلى دولة استبداد مطلق وشمولي، في خروج على العصر ومبادئ الشرعة الدولية، إذ يؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة (8) بأنّ "لكل شخص الحق في اللجوء إلى المحاكم الوطنية لإنصافه من أعمال تنتهك الحقوق الأساسية"، فيما يؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على إلزام الدول بتوفير سبل انتصاف فعالة لكل فرد انتهكت حقوقه.
وتنتهك هذه القرارات مواد الدستور البحريني بشكل صريح، حيث تشير المادة (19) بأنه "لا يجوز القبض على إنسان أو توقيفه أو حبسه أو تفتيشه أو تحديد إقامته أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون وبرقابة من القضاء"، كما تؤكد المادة (20) من الدستور بأنه "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة للعمل بالقانون الذي ينص عليها"، وأن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمّن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة وفقاً للقانون"، وأن "حق التقاضي مكفول وفقاً للقانون".
ومع دخول هذه القرارات حيّز التنفيذ بسلب جنسية 69 مواطناً والطلب منهم في اليوم التالي بمغادرة البلاد، دون السماح لهم بالدفاع عن حقوقهم الأساسية والإنسانية أمام المحاكم، يدخل دستور البحرين مرحلة التجميد، وتتحوّل علاقة الدولة بالمواطنين من علاقة قانونية إلى نكوص لعهد المشيخة وما قبل الدولة الحديثة.





