لمعرفة كيفية تشكيل الخلايا والتنظيمات داخل الأجهزة الأمنية البحرينية، يمكن مقاربة حادثة تخيير 3 نواب في المجلس النيابي بين الاعتذار عن رأيهم المخالف للسلطة، أو اللحاق بالخونة -بحسب تعبير الملك-، وهي حادثة علنية تكشف ما يدور على مستويات أخرى بعيداً عن الأعين، حيث يضيق صدر الدولة بأي وجهة نظر مغايرة عنها.

هذا المشهد يختصر كيف يُدار الفضاء العام في البلاد، في ظلّ سعي السلطة إلى تركيع كلّ صوت مخالف للتوجّهات الرسمية، حتى لو كان هذا الصوت من داخل ما تسمّيه هذه الجهات بـ"المؤسسات الدستورية"، كما في حادثة النواب الثلاثة.

في هذا السياق، يمكن قراءة اعتقال 41 عالماً من كبار علماء الدين وأساتذة الحوزة والعلماء البارزين والناشطين، واتهامهم بتشكيل تنظيم مرتبط بالحرس الثوري الإيراني، تكليلاً لمسيرة 50 عاماً من كشف الخلايا والتنظيمات الأمنية، حيث يتحوّل "عالم الدين" الناشط في الميدان الاجتماعي إلى تهديد أمني بشكل مفاجئ، ويُقمع الفضاء العام عن أي تعددية أو حوار أو تداول سلمي للأفكار والآراء والمعتقدات.

وتستخدم السلطة هذا النوع من القضايا الأمنية المفبركة من خلال الزجّ بالمخالفين في السجون واستبعادهم من الساحة، كأداة للعقاب والتنكيل بهؤلاء، أو ضمن سياق تصفية حسابات إقليمية أوسع، وهو نوع من التعسف تديره السلطة من خارج الدستور والقوانين ومعاهدات حقوق الإنسان للتعبير عن انزعاجها بالمعارضين والمختلفين عنها.

داخل الأجهزة الأمنية، تُدار التهم الأمنية بحسب الانتماءات السياسية ومدى رغبات الجهات العليا، فلا مكان للأركان القانونية للجرائم المتعلقة بالمعارضين السياسيين، لا فعل إجرامي ولا أدلة مادية أو معنوية، يكفي أن تتشكل التهم الأمنية وفق تلك المحددات الكيدية المسبقة، وبدلاً من تخييرك بين الاعتذار أو اللحاق بالخونة كما في حادثة النواب الثلاثة، يتم زجّك في قضية أمنية لإعدام وجودك الاعتباري دينياً واجتماعياً وسياسياً.

على هذا المنوال، جرى العرف الأمني في تشكيل الخلايا والتنظيمات والتهم السياسية المعلّبة بحق العلماء والرموز والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان، رغم تعبير هؤلاء عن أفكارهم وآرائهم الدينية والسياسية بشكل واضح وصريح، ورفضهم للتجاذبات الأمنية، وانتهاجهم الأساليب السلمية، وبهذه الطريقة واجهت السلطة دعوات الحوار الوطني والمشاركة السياسية والتعايش السلمي وإنهاء العنف الرسمي على مدى 50 عاماً.