تتوالى الأحكام القضائية المشددة في الآونة الأخيرة ضمن استراتيجية تصعيد سياسي وأمني ممنهج ضد الطائفة الشيعية، في مشهد مسعور يدير سياسة القمع وتوظيف الخطاب التحريضي بصورة غير مسبوقة، لإدارة الملفات الداخلية بعقلية أمنية قائمة على التخوين واصطناع الخصوم.

ويحوّل القضاء البحريني تهم التصوير وكتابة التدوينات إلى قضايا تخابر لإصدار أحكام مشددة بالمؤبد، وبشكل هستيري خارج المنظومة القانونية؛ فبدلًا من تقديم أدلة مادية واضحة وقابلة للتدقيق العلني، تُوجّه الاتهامات الجاهزة نحو المواطنين، وإقحام طلبة العلوم الدينية الذين يتابعون دراساتهم في إيران، لتعليب المشهد، في توجه يشير إلى استهداف الهوية والخلفية المذهبية كمدخل للاشتباه والعقاب الجماعي، بعيداً عن كل المعايير.

وتبرز هشاشة السردية الرسمية في التهم المتكررة المتعلقة بمراقبة وتصوير منشآت حيوية، وهي اتهامات تفتقر للموضوعية في ظل الطفرة التقنية الحالية؛ إذ إن المنشآت الحيوية بكافة إحداثياتها ومواقعها متاحة علنًا عبر تطبيقات الخرائط العالمية ومنصات الأقمار الصناعية مثل Google Earth. وبناءً عليه، فإن تأسيس أحكام جنائية مغلظة كالسجن المؤبد على وقائع تقع في نطاق الفضاء الرقمي المفتوح يوضح ضعف الأركان القانونية لهذه القضايا، التي تعتمد على الاشتباه والتقرير الأمني بدلاً من الدليل المادي، خصوصًا وأن الافتراض بأن جهات عسكرية إقليمية كبرى تعتمد على وسائل رصد أولية ومعلومات مشاعة ومتاحة للكافة يظل افتراضاً غير منطقي، ويؤكد الطابع المصطنع لهذه الملفات.

وعلى الصعيد المؤسسي، يواجه القضاء البحريني أزمة مشروعية وثقة متفاقمة جراء صدور هذه الأحكام المتلاحقة في مناخ مشحون بالتعبئة السياسية والتخوين، وفي غياب تام للشفافية القضائية، الأمر الذي يعيد ملف استقلال ونزاهة القضاء إلى صدارة المشهد، خصوصاً بعد سنوات من الإدانات الحقوقية لتبعية القرار القضائي للإيقاع الأمني والسياسي السائد وعدم حياده التام، خصوصاً وأن السلطة تمنع المقررين الخاصين للأمم المتحدة والمراقبين الدوليين المستقلين من ممارسة أدوارهم الرقابية لضمان عدالة المحاكمات.

وفي المحصلة، تضع هذه الأحكام الجائرة كومبارس القضاة في مواجهة مباشرة مع التاريخ ومعايير العدالة الإنسانية؛ إذ أثبتت الممارسات المتواترة على خط تاريخي طويل بأن هؤلاء القضاة قد تخلوْا تماماً عن دورهم كحصن للحقوق، وتحولوا إلى مجرد موظفين بمرتبة "مُنفّذين" يتلقون الأوامر والملفات الجاهزة من المكاتب الأمنية لتبصيمها وإضفاء شرعية مزيفة عليها، وصمّوا آذانهم عن الضحايا وتعاموا عن فبركة الأدلة، وهو ما يجعلهم شركاء مباشرين في ترسيخ سياسة البطش والانتقام السياسي التي يمارسها النظام، لتظل المنظومة القضائية في البحرين مجرد سوط يجلد المواطنين ويهدد السلم الأهلي، بدلاً من أن تكون ميزاناً للعدل والإنصاف.