تخبط دبلوماسي وفشل استراتيجي. هذا ما يعيشه النظام الحاكم خلال الأيام الماضية عبر انتهاج سياسات خارجية متخبطة تغطي فشله في تحييد البلاد عن الأعمال الحربية والتجاذبات الإقليمية، في وقت تموضعت العديد من الدول الخليجية مع التطورات ونأت بنفسها عن مسارات التصعيد في المنطقة.

وتعتمد دوائر القرار على خطاب دبلوماسي يقوم على "بكائيات العدوان وإنكار الواقع"، ففي حين يتعامل الرئيس الأمريكي وإدارته في البيت الأبيض والإعلام الأمريكي مع القواعد العسكرية الموجودة في البحرين كأمر واقع، لا يزال النظام يرى أن مسار الإنكار يمثل صدىً عند المحافل الدولية، معتقداً أن المجتمع الدولي يمكن أن يصدّق هذا النوع من الزوبعات الإعلامية دون أن يخضعها للقوانين الدولية!

وأقبرت السلطة أي أصوات وطنية لمراجعة الفترة الماضية، خصوصاً فترة الحرب التي وضعت البلاد وسخّرت الأراضي البحرينية للعمليات العدوانية الحربية (28 فبراير/15 يونيو 2026)، إضافة لدورها المباشر في تحويل مجلس النواب وأعضاءه إلى ظاهرة إعلامية وصوتية للإشادة بالدولة لا أكثر ولا أقل، والهيمنة على الإعلام المحلي، وتغييب أي كتاب أو مفكرين أو شخصيات وازنة، حتى لم يجد الصوت الوطني أي فرصة للتعبير عن نفسه، ولم يتلقّ سوى التخوين وخطابات الكراهية والتهديد والوعيد.

وبدلاً من أن تهيء أجواء البلاد لحوار وطني يراجع جميع ما جرى خلال الفترة الماضية، تشن السلطة حملة أمنية على القوى العلمائية والفكرية والسياسية الممثلة للمجتمع، وتستهدف الطائفة الشيعية بالتحديد، وتعتقل وتهدد وتتوعد، مُغلقةً بذلك مسار المراجعات والشراكة والديمقراطية، في الوقت الذي تفتح أمام الوصوليين والطفيليين ليتصدروا المشهد!

وفي ظل التحديات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، باتت الحاجة ملحة من أي وقت مضى لصياغة استراتيجية أمنية ودفاعية وطنية شاملة قائمة على مبدأ السيادة الكاملة على كافة الأراضي والأجواء والمياه الإقليمية، فالنأي بالبحرين عن قبضة القوى الكبرى لم يعد خياراً، خصوصاً مع سقوط رهانات الحماية المزعومة، وهو المسار الوحيد لضمان أمن الوطن.

ومن الطبيعي أن لا يتقاطع هذا المسار مع تعويلات المسؤولين في وزارة الخارجية البحرينية الذين يرون أن "البكائيات الدبلوماسية" هي الطريق لتغطية الفشل الأمني، والتعمية على عجز النظام عن ضمان استحقاقات الاستقلال والسيادة، وهو أمر يراه الرأي العام المحلي مستغرباً جداً، في ظل انكشاف الأمور وانجلاء الغبرة بعد وضع الحرب أوزارها.