لم تكن الإشادة الرسمية الأخيرة برئيس تحرير صحيفة الأيام مجرد مناسبة بروتوكولية، بقدر ما جاءت لتكشف مجددًا طبيعة الدور الذي أُريد للإعلام المحلي أن يؤديه في البحرين: واجهة صحفية تعيد إنتاج رواية السلطة، وتمنحها غطاءً مهنيًا زائفًا منذ سنوات. فالمؤسسات التي يفترض أن تكون سلطة رابعة تحولت، بفعل التضييق السياسي وتجريف المجال العام، إلى منابر تكرر الخطاب الرسمي وتتبنى سرديته في البلاد، فيما يُدفع الصوت المعارض إلى خارج المشهد أو يُعامل باعتباره تهديدًا سياسيًا وأمنيًا.

وفي مقدمة هذه المنابر تقف الأيام وغيرها من الصحف، التي لم تعد تغطيتها في العديد من الملفات السياسية والحقوقية تكتفي بنقل موقف السلطة، بل باتت جزءًا من ماكينة إعلامية تتولى تلميع السياسات الرسمية ومهاجمة الأصوات المعارضة. وهنا تتجاوز المسألة حدود الانحياز التحريري لتصل إلى وظيفة سياسية، يصبح فيها المنبر الصحفي أداة في الصراع، وتتحول الصفحات إلى مساحة لتصفية الحسابات وتبرير الممارسات التي تواجه انتقادات حقوقية واسعة ضد النظام.

وقد ترافق هذا الدور مع خطاب إعلامي يقوم على إعادة تدوير البيانات والتصريحات الأمنية والتنفيذية باعتبارها حقائق مكتملة، في مقابل تغييب الرواية الأخرى وحجب صوت المواطنين والمعارضين. ومع الوقت، أصبح الإعلام المحلي في جزء كبير منه نسخة أخرى من الخطاب الرسمي؛ ينقل ما تقوله السلطة أكثر مما يبحث عما يحدث على الأرض، ويعيد صياغة بياناتها أكثر مما يضعها أمام الأسئلة. وفي بيئة كهذه، لا يعود التضليل مجرد خطأ مهني، بل يتحول إلى وسيلة لحماية الرواية الرسمية من المساءلة.

ولم يتوقف هنا، إذ تحولت بعض المنابر إلى أدوات في تأجيج الاستقطاب السياسي والطائفي، عبر حملات تخوين وتشويه تستهدف المواطنين والنشطاء والمعارضين وصولاً إلى الهجوم على الطوائف، بما يرسخ خطاب الكراهية ويعمق الانقسام المجتمعي. ويتجلى ذلك في ملفات مثل التطبيع مع الكيان الصهيوني، حيث يجري تقديم الخيارات الرسمية عبر الإعلام بوصفها خيارات وطنية، بينما تُغيّب المواقف الشعبية الرافضة، بما يكشف الفارق بين إعلام يتحدث باسم المجتمع ومجتمع لا يجد صوته في هذا الإعلام.

إن ما تكشفه الأيام وغيرها من الصحف يتجاوز حدود صحيفة بعينها إلى أزمة منظومة كاملة جعلت الإعلام تابعًا للسلطة بدل أن يكون رقيبًا عليها. وقد أصبح من الصعب، في ظل هذا المشهد، فصل الخط التحريري للصحافة المحلية عن طبيعة النفوذ الأمني والسياسي الذي يحيط بها؛ فحتى من دون إدارة مباشرة ومعلنة، تبدو حدود ما يُنشر وما يُحجب، وما يُضخّم وما يُهمّش، مرسومة داخل السقف الذي تفرضه المنظومة الأمنية والسياسية.

وحين يصبح الصحفي مطالبًا بترديد الرواية الرسمية، والمواطن محرومًا من إيصال روايته، تتحول حرية الصحافة إلى شعار للاستهلاك السياسي. فالإعلام الذي لا يستطيع مساءلة السلطة، ولا يمنح المعارض مساحة، ولا يعكس تعدد المجتمع، لا يمكن أن يكون سلطة رابعة؛ بل يصبح جزءًا من بنية السلطة نفسها. وفي الحالة الشعبية، لم يعد السؤال الحقيقي عمّن يكتب العنوان أو يوقّع المقال، بل عمّن يرسم الحدود التي لا يجوز للصحافة تجاوزها، ومن يقرر أي صوت يصل إلى الجمهور وأي صوت يُدفع إلى الهامش.